الرئيسية »  أغنى رجلٍ في بابل | #شذرات_من_معرفة

The Richest Man in Bablyon

By George  S. Clason

(2012)

أغنى رجلٍ في بابل

للكاتب جورج صامويل كلاسون

المقدمة

بابل، المملكة الأثرية التي عُرفت بحصونها المنيعة وألواحها الطينية وتقدمها العلمي ورجالها الأغنياء وما زالت أطلالها قائمة لتشهد على الحضارة التي شيّدوها ونقلوها لأقطاب الدُنيا.

هذه المملكة العظيمة لم تكن كذلك على الدوام، إذ كان سكّانها كغيرهم من سكّان المدن الحيوية: منقسمون إلى طبقات ما بين أغنياء وفقراء ومتوسطي الحال وما بين أحرارٍ وعبيد إلا أنّه وفي المرحلة الأخيرة من استكمال بناء حصون المملكة حدث ما غير مجرى الحياة في هذه المملكة لينقلها إلى سعة العيش وسمعة الغِنى.

في يومٍ صيفي حارّ وتحت أشعة الشمس الحارقة، كان بُنصر جالساً على السور الذي يحيط بممتلكاته مفكراً بحاله التي لا تسرّه يائساً منها، فهو يصنع العربات الفخمة للأغنياء إلا أن ما يتلقاه من ورائها بالكاد يكفي لتغطية التكاليف المعيشية الأساسية.

كان يتأمل المملكة وضجيج العاملين فيها، فهذا ينادي على تجارته وذاك يرعى قطيعه وأولئك ينقلون حجارة الطين لبناء الأسوار وهؤلاء يسقون حدائق الملك، حدائق بابل المعلّقة.

وفي هذه الأثناء مرّ به صديق طفولته كوبي. ألقى عليه التحية وسأله عن الذي دفع به للجلوس على السور، ليلقي بُنصر بما جاش به صدره وحار به فكره.

بُنصر يتمنى العيش الرغيد الذي يمكنه من شراء كل ما تتمناه نفسه هو وزوجته وتؤمن لأبنائه الحياة الكريمة التي تمناها لنفسه فهو لا يريد لهم أن يكونوا مثله: يكدحون الليل والنهار فلا تُقدّر أعمالهم إلا بحفنة من النقود، ليست ذهباً ولا فضّة ولا حتى نحاس. لديه القوة البدنية والمهارية الفنّية والتركيز الذهني، إلا أنه لا يملك إلا أن يكون متبلداً حيال إعمالها. وينتقل ليصف مرارة عيش الفقراء والعبيد في هذه المملكة البائسة التي استأثر أغنياؤها بثرواتها.

تساءل كوبي حينها: “ما دمنا نريد أن نكون أغنياء، فلِم لا نسأل الأغنياء أنفسهم؟ أركاد، أغنى رجل في بابل حتى أن الملك نفسه يقترض منه الذهب. كان صديق طفولتنا ولن يمانع إخبارنا كيف نصبح أثرياء مثله!”

الفصل الثاني: أغنى رجل في بابل

كما عُرف أركاد بأنه أغنى رجل في بابل، عُرف أيضاً عنه سخائه الشديد على نفسه وعائلته وفي صدقاته وفي إسهامه في بناء المملكة ولم يُعرف عن ثروته إلا أنه تزداد عاماً بعد عام.

زاره صديقاه بُنصر وكوبي بحكم علاقة الود القديمة بينهم لينهلا منه أسرار ثرائه مستفتحين الأسئلة بقولهما:

“أرَكَاد! نعيش جميعاً في المملكة ذاتها ومع ذلك صرت أغنى رجل فيها ولا زلنا نصارع الحياة في سبيل البقاء، ما سرّ ثرائك الذي أدركته وفاتنا؟”

ليجيبهما أرَكاد بهدوء:

“لا يدرك الرجل الثراء إذا فشل في تطبيق القواعد التي تحكم جني الذهب أو لم يلحظها.” ليقاطعه بُنصر قائلاً:

“الأقدار لا تسير إلا مع الرجال المملوءة محافظهم ذهباً، ومن كانت جيوبهم فارغة التفتت عنهم!”

ليبتسم أرَكاد بهدوء أيضاً وينفي صلة المحفظة المملوءة بأقدار الثراء. ويقول:

“تطلعت خلال شبابي حولي بحثاً عن أسباب السعادة، ووجدتها تختلف باختلاف ما يرغبه الإنسان حتى قررت أن أحصل على حصتي من زينة الحياة الدنيا إلا أن ذلك لن يتأتي لي إلا بعد أن أتعلم كيف أحصل على ما يمكنني من الحصول عليها.

ألم يعلمنا الحكيم أن التعليم نوعان: ما نعرفه وما نتوصل به إلى ما لا نعرفه؟ وهذا ما فعلته: تعلمت بالوسائل التي أعرفه ما لا أعرفه.

كُنت أعمل كاتباً للألواح، وهو العمل الذي لا يكفي دخله مُتعي لأني أصرفه على أساسياتي. حتى أتى ذلك اليوم الذي طلب فيه الغامِش، أثرى رجل في المملكة، كتابة أحد القوانين ووعدته بإنهائها بعد يومين.

انتهت المدة ولم أنتهِ من الكتابة، إلا أني وعدته بإنهائها مع طلوع شمس اليوم التالي. فإن أوفيتُ بوعدي عليه أن يعلمني أسرار ثراءه. وهذا ما حصل بالفعل، ليكون أول سرّ علمّنيه:

  • لابد من استقطاع عُشر الدخل قبل التصرف فيه.

أما السرّ الذي يليه فكان:

  • كل قطعة ذهبية مُستقطعة ما هي إلا خادم يعمل لسيّده.

فإذا عمل هذا الخادم، فإن السيّد سيجني أضعاف تلك القطعة، وهذا هو السر الثالث وهو آخر ما أفصح عنه لي. ليأخذ اللوح بعدها.

الثروة يا بُنصر وكوبي كالشجرة التي تبدأ ببذرة. كلما بكّرت ببذرها وأخلصت في العناية بها حى تورِق، سيطيب لك جنيَها.

عاد إليّ الغامش بعد عام ليسألني عما فعلته بخدميّ، قطعي الذهبية التي جنيتها. فأخبرته أني دفعتها لبنّاء الطوب ليشتري لي بها جواهرَ  من خارج المملكة أتاجر بها هنا في بابل إلا أنه ولقلة خبرته غشّه التجار بقطع زجاجية. ليلقنني الغامش السرّ الرابع:

  • اطلب الحكمة من أهلها، فالجميع يُحسن إسداء النصائح وعليك تخيّر أفضلها وأنسبها.

بدأت جمع القطع الذهبية من الصفر مجدداً، لأصرفها على مُتعي الشخصية والمؤقتة. وزارني الغامش بعد عام من زيارته الأخيرة ليسألني عما فعلته خلال العام المنصرم فأخبرته بما رفّهت نفسي به ليعلق ضاحكاً:

“أأكلت خدَمَك يا أركاد؟ كان عليك أن تُجهّز جيشك المطيع من الخدم الذي يأتي لك بخدمٍ آخرين لتتمتع بكل ما تشتهيه نفسك دون شعور بالذنب.”

ليكون ذلك سر الثراء الخامس:

  • لا تعِش الرفاهية ولمّا تؤمن مصادر دخلك بعد.

وحين تعلمت هذه الأسرار جيّداَ وأثبتُ قدرتي على زيادة أموالي، أوكل إليّ الغامِش التصرّف بأمواله بعد وفاته.

قوّة الإرادة يا صديقيّ لا تكفي لأن تكون ثرياً. لابد أن يتصبب عرق جبينك وتسيطر على مصروفاتك.

اعملا بهذه الأسرار التي علمنيها الغامِش فصرت ما صرته. آمنا بالفكرة وامتلأ بها وعِدا نفسيكما بمتعة الحياة الجديدة التي تنتظركما.

احرصا على تأمين مصادر الدخل المستقبلية، لكما ولعائلتيكما، الدافع الأساسي لرغبتكما في الثراء. ولا تخوضا في ذلك المخاطر، بل اسعيا إلى الاستثمار الآمن والمضمون.”

لم تنقطع زيارة بُنصر وكوبي لصديقهما آركاد في الأعوام التالية، كما لم يكن حالهما كما زاراه أول مرة.

الفصل الثالث: الأساليب السبع لملئ المحافظ الخاوية

لم يكن ثراء رجال بابل لمصادرها الطبيعية وموقعها الجغرافي فقط، بل كان منبعه حكمة شعبها وبصيرتهم، وفي مقدمتهم ملكهم شارّوكن.

نقل إلى ملك بابل مستشاره أنه بإنهاء العمّال من حفر القنوات وبناء الهياكل المقدسة، فإنه لم يعد لهم مصدر دخل يؤمن لهم معيشتهم. لتعود حال المملكة كما كانت عليه: حفنة ثرية وأغلبية فقيرة. ليتساءل الملك الحكيم:

“ولِم تمركزت الثروة في أيدي القلّة؟ “

ليجيبه المستشار الناصح:

“لأنها تعرف كيف تحصل عليها.”

فيطلب منه الملك أن يبحث عن الرجل الثري الذي يعرف أفضل طرق اكتساب المال وبناء الثروة، فهو يريد لجميع البابلين الثراء والرغد. فأخبره المستشار عن أركاد، أغنى رجل بابلي، ليسأله الملك:

“ومن أين له هذا؟ وكيف بدأ؟”

ليجيب:

“باستثماره جميع الفرص التي أُتيحت لشعبنا، جلالتك، ولم تكن سوى الرغبة رأس ماله.”

استدعى المستشار آركاد، ليطلب آركاد أن يستفتح تعليم شعب بابل أساليب الثراء بمائة رجلٍ يجتمعون في قاعة كبرى على مرآى من الملك على مدى سبعة أيام في وقتٍ محدد.

اجتمع لأركاد الرجال المائة، وفي الموعد المؤّقت استهل حديثه إليهم بقوله:

“كانت محفظة نقودي مرقّعة، وتخرج من رقاعها القطع النقدية إلى ما لابد منه. رقّعتها بالتجارب واستكشاف الأسرار حتى توصلت إلى سبعِ أساليب، هي أسرار الثراء، مكّنتني من سدّ رقاعها سداً لا تتسرب منه القطع النقدية التي صارت ذهبية إلى ما أريده من زينة الحياة ومُتعها، بل وامتلأت. وها أنا أقف أمامكم لتعليمكم إياها”

  • الأسلوب الأوّل: ابدأ بملئ محفظتك، وذلك بأن تدخّر بعُشر دخلك.
  • الأسلوب الثاني: تحكم بمصروفاتك، وذلك بأن تؤدي المصاريف الضرورية ثم رفاهيتك دون أن تتجاوز صرف التسعة الأعشار الباقية من دخلك.
  • الأسلوب الثالث: ضاعف قطعك الذهبية، استثمر ما ادّخرته ليتضاعف ويعود عليك بمحفظة مملوءة قطع ذهبية أخرى.
  • الأسلوب الرابع: احفظ ثروتك من الضياع، وذلك بأن لا تستثمر إلا في الأعمال الآمنة والمضمونة ولا تطلب إلا نصيحة الحكيم الخبير في مجال الاستثمار الذي تسعى إليه.
  • الأسلوب الخامس: ليكن منزلك هو عائد استثمارك، اسعَ لامتلاك منزل لكَ ولعائلتك قبل أي شيء آخر.
  • الأسلوب السادس: أمّن دخلاً مستقبيلاً، أمّن لنفسك دخلاً حين يبلغك بك العمر عتيّاً، حين تعجز عن تأمين الحياة الكريمة لعائلتك، فلن تعود قادراً حينها كما أنت في شبابك الآن على العمل وملئ محفظتك والاستمتاع بالحياة وهذا ما سيعميك عن مآلك بعد بضع سنين.
  • الأسلوب السابع: زِد من قدرتك على التحصيل، الرغبات العادية ستؤدي بك إلى لا مكان. لتكن لديك الرغبة في الإنجاز وشحذ مهاراتك. اهتم بعملك واصرف إليه مزيداً من تركيزك وابذل له جهدك، تعلم المزيد حول مهنتك ومجالك فهو ما سيدفع بك إلى التقدم وبالتالي تحصيل المزيد من المال.”

وبنهاية اليوم السابع اختتم آركاد درسه بقوله:

“انطلقوا واتبعوا هذه الأساليب الحقيقية في سبيل الثراء. تعلموها وعلموها غيركم واشتركوا جميعاً في الاستمتاع بفص الثراء في مملكتنا الحبيبة.”

الفصل الرابع: اقتناص الفرص

لم يكن في بابل مدارس وجامعات، إلا أن شعبها أعد لنفسه مركزاً للتعلم تُمارس فيه المعرفة مباشرة، يجتمعون فيه مع الخبراء والحكماء لطرح الأسئلة وافتتاح النقاشات وتبادل المعرفة. وكانت الفرصة من بين تلك المواضيع التي اجتمع رجال بابل للسؤال عن ماهيتها وكيفية اقتناصها ونقاشها مع  أركاد، أغنى رجل في مملكة بابل، الحكيم الذي تُنشد منه حكمة الثراء.

كان النقاش في مركز التعلم ثرياً، فالكل سواسية والكل يطرح ما لديه ليعرضه على العقول هناك. في حين كان يُظن أن الفرصة مِنحة إلهية لا تكون إلا لقلة، وبذلك يكون الثراء فرصة لا تكون إلا من نصيب من تتنزل عليه دون مشقة أو تعب. أثبت النقاش وبطرح التجارب أن الفرص في كل مكان. بمقدور الإنسان اقتناصها واستثمارها لصالحه وبإمكانه أيضاَ إفلاتها لتكون من نصيب غيره. ولن تتهيأ هذه الفرص إلا أمام عينيّ من يتمتع بالإرادة القوية والرغبة العارمة في الارتقاء بنفسه

الفصل الخامس: قوانين الذهب الخمسة

إن مما لابد أن يشغل بال الأثرياء هو حال أبنائه من بعده، فهو سيخلّف  لهم الحكمة والمال، وما هو متوقع تضييعهم الحكمة وإسرافهم بالمال. ومن نافلة القول أن يقال إن أثرى أثرياء مملكة بابل، أركاد، يشغله ما يشغل الأثرياء بشأن أبنائهم، لذا أرسل ابنه نومصر في رحلة مدتها عشرة أعوام مقلداً إياه الألواح التي نُحتت عليها قوانين الذهب الخمسة التي إن أثبت عمله بها فإنه سيورّثه ثروته بأكملها، فإن أخفق في ذلك منعها عنه.

وهذه القوانين الخمسة هي:

  • يتكاثر الذهب بين يدي من يدّخر ما لا يقل عن عُشر دخله ليتملك منزلاً له و لعائلته.
  • يعمل الذهب بإخلاص لصاحبه الحكيم الذي يعمل على استثماره ومضاعفته.
  • يسخّر الذهب نفسه لحماية صاحبه الذي يستثمره باتباع نصيحة الحكيم.
  • يتملّص الذهب من الرجل الذي يستثمره في أعمال وأهداف لم يألفها أو لم ينصح بها أهل الصنعة.
  • يفرّ الذهب من الرجل الذي يضعه في تحصيل دخلٍ مستحيل أو يثق بنصيحة غير الخبراء ويتبع رغباته الاستثمارية الحالمة.

عمِل نومصر ابن آركاد بهذه القوانين الخمس في رحلة اختباره إلى مملكة نينوى، وواجهته إخفاقات وحوادث وصوارف تعلم من كل منها درساً حتى إذا ما راجع الألواح وجد قانوناً من قوانينها ينص عليها.

انتهت الأعوام العشرة، ليعود نومصر إلى قصر والده آركاد، وفي حضرة الملأ ووالديه بدأ بتجاربه الفاشلة ثم ثنّاها بالدروس المُستفادة وختمها بمراحل نجاحه، ليُكلل آركاد ابنه تلك الليلة بمباركته توريث ابنه لماله وممتلكاته.

إنّ الذي مكّن نومصر من العودة ثرياً إلى مملكة بابل مواجهته لأخطائه وتحليله أسباب فشله وعزمه على الإيفاء بوعده والتفوق على نفسه وتجاوزه لما حدث له من مواقف مريرة وتجارب مخادعة مع من وثق به وعمله بحكمة والده التي ضمنها القوانين الخمسة، القوانين التي علّمها رجال بابل قبل ابنه.

علِم نومصر أن الحكمة لا تُستبدل بالمال أبداً، إذ أنها من يجلبه وليس العكس.

الفصل السادس: تاجر الذهب في مملكة بابل

لم يُصدق رودان منح الملك إياه خمسين قطعة ذهبية لِقاء تصميم رماح أُعجب به. علمت أخته المقرّبة بذلك فعرضت عليها أن يقرضها زوجها ليستثمرها لصالح العائلة على أن يردها له إذا ما اغتنى. ولأن رودان من رجال بابل الذين حضروا دروس آركاد، لم يتهور بالموافقة حتى يستشير الخبير في إقراض الذهب: ماثون.

ماثون تاجر ذهب ومقرضه، ورغم وفرة الذهب لديه إلا أنه لا يقرضه إلا بشروطه وإلا :” فلن يكون لدي ذهب أقرضه غيري!” كما قال لرودان الذي رحّب وهلل بطلبه المشورة منه في قطعه الخمسين الذهبية.

استفتح ماثون نصائحه لرودان بقوله:”

  • إذا ما رغبت بمساعدة صديقك، ساعده بالطريقة التي لا تكون وبالاً عليك وتضرك.
  • لا تقرض إلا برهن، وليكن هذا الرّهن قيّماً.
  • مُد يد المساعدة إلى من أثبت بسلوكه نُبله وشرفه وأقرضه أيضاً دون ضمانات ولا رهونات.
  • ليكن القرض لغرض نافع، لذا اسأل المُقترض عن خطة صرفه مالك الذي سيصبح ماله مؤقتاً.
  • ساعد أفراد عائلتك بطرق لا تُضحي فيها بثروتك.
  • صاحب الناجحين في تكوين ثرواتهم، الحامين إياها بحكمتهم وخبرتهم.”

ليخرج رودان بعد إنهاء ماثون حديثه برؤية أخرى حول مساعدة أخته المقرّبة وزوجها واستثمار مستقبله وعائلته.

الفصل السابع: أسوار مملكة بابل

عِملت أسوار مملكة بابل كالسد المنيع الذي يمنع أعدائها من اقتحامها لينعم شعبها بالأمن والأمان، ويتناسب ذلك مع الشجاعة التي تميز بها رجال بابل وعلى رأسهم الملك الذي كان يخرج بجيشه لقتال الأعداء والاستماتة في الدفاع عن المملكة وشعبها.

تمثل الأسوار الرغبة الغريزية في حماية الإنسان نفسه وممتلكاته، الرغبة التي هي في أوج مستوياتها أيامنا هذه وبين أيدينا ما يمكننا من تلبيتها بأفضل ما لُبت به سابقاً.

الفصل الثامن: تاجر الإبل في مملكة بابل

دَابنصر، تاجر الإبل المعروف في مملكة بابل، وكعادة رجال بابل الأثرياء، تبرّع بحكاية قصته مع الثراء، فحكى لجمعٍ قائلاً:

“كُنت أعمل مع والدي، وبعد أن استقللت عنه لم أتمكن من الموازنة بين ما أصرفه ودفع ما أستدينه. حتى خرجت من المملكة هائماً على وجهي لا أدري ماذا أفعل، فانضممت لعصابة قطاع طرق يقطعون الطريق على القوافل التجارية. حالفنا الحظ عدة مرات، إلا أنه في المرة التي تخلى عنا فيها قُبض عليّ واُشتريت عبداً في دمشق إلى تاجر جِمال. عملت لدى الزوجة الأولى لهذا التاجر، فأخبرتها بحالي وأني رجل حّرّ مذ ولدت، فهزأت بي قائلة:

“كيف تكون حرّاً وقد أوصلك ضعفك لتكون عبداً لدينا؟! الروح هي التي تستعبدك أو تحررك. فإذا ما كانت روحك حرّة ستقودك لمكارم الأخلاق بغض النظر عن حظه التعيس.”

أوقدت كلمتها هذه الشرارة في نفسي، فعزمت على تحرير روحي ولم أرضَ بما يرضى به العبيد من الاجتماع واللهو واللعب. فرأتني يوماً نائياً بنفسي عن أحد  احتفالاتهم. فاستفسرت فقلت لها أني رجل حرّ وهذا لا يصلح لي! لتساعدني لاحقاً على الهروب لأصل إلى مملكتنا، مملكة بابل بخبرة تاجر الإبل الذي لم يجد عملاً فعاد لصنعته الأولى وصنعة والده. مررت على جميع من استدنت منهم وأخبرتهم بعودتي وتجديدي وعد تسديد الدين حتى وصلت لماثون، تاجر الذهب، الذي يعلم صدقي وعلِم بعملي حين كنت خادماً فأخبرني عن بحث الملك لتاجر إبل بخبرة كالتي معي.

الرجل الحرّ يرى في الحياة سلاسل متصلة من المشكلات التي يمكن حلها، فلا يقعد مكتوف الأيدي مخذولاً مخذّلاً.”

الفصل التاسع: أحظّ رجلٍ في مملكة بابل

كان شاروه ندى يسير في مقدمة قافلته الآتية من دمشق، وكان يصحبه حدّان غولا، حفيد شريكه آراد غولا، ولم يسأله أن يصحبه إلا لينتشله مما هو فيه من خيلاء وتباهي وتبلّد.

حين وصلت القافلة إلى مملكة بابل بأمان، عرض شاروه على حدّان أن يخبره بقصة جدّه آراد، إلا أن الشاب تململ ورغب بمعرفة أسرار الثراء أولاً، وهذا ما لم يوافق عليه شاروه، فشرع في قصّ خبر آراد غولا:

“وُلدتُ حراً، إلا أنّي اُشتريتُ عبداً ضحيةَ لمقامرات أخي، وانتقلت مع عبيد آخرين كانوا مثلي أحراراً لمكان آخر. نصحني أحدهم بإظهار مهاراتي أمام السادة المُحتملين في سوق النخاسة لأنه إذا لم يشترني أحد فسينتهي مصيري بنّاءً يعمل بالسخرة حتى آخر حياتي، فإن اشتراني أحدهم فإن ذلك سيمكنني من إيجاد مصدر دخل وبالتالي شراء حريتي.

وهذا ما حصل بالفعل، حيث اشتراني خبّاز علّمني الصنعة وساعدته في زيادة دخله وادّخار ما يمكنني من نيل حريتي. ومن بين زبائني كان جدّك آراد. لتجارته في السجاد ودماثة أخلاقه ظننته حرّاً ففاجئني بعكس ذلك وأنه لا يفكر بالتحرر من سيده الذي يعامله معاملة حسنة، فنهرته قائلاً أنه لا يصلح إلا للحرية فإن كانت متاحة لم لا يغتنم الفرصة؟!

بعد فترة طويلة اشتراني سيّد آخر لم أعرفه حتى وصلت إلى بابه لأفاجأ به يُحييني ويضمني إليه، إنه آراد! بات رجلاً حرّاً وقرر الاستقرار في دمشق. فاضت عيناي بالدموع وشعرت أني أحظّ رجلٍ ببابل! العمل كان قيمتي وهو ما رفعني عن الدفن تحت اسوار بابل كبقية الخدم. صرتُ لاحقاً شريكاً لجدّك، وها أنا الآن أعلّمك ما كان عليه لتحتذي به.”

وبنهاية حديث شاروه، انتزع حدّان خواتمه ومجوهراته وسرج حصانه ليسير به يملؤه احترام تاريخ جدّه ويدفعه عزم مواصلة جِدّه.

الخاتمة

لكل دولة رجال، وكان لمملكة بابل رجال صعدوا بها وأشاعوا سمعتها ونشرو دروس الحكمة منها ولها. وكحال أي مملكة أخرى، سادت بابل ثم بادت ولم يبقَ منها إلا ألواحها، وهياكلها، والأهم من ذلك حكمتها التي نقلها علماء الآثار للأجيال علّ أن ينتفعوا بأسرار ثراءِ رجالها ويتمثلوا مسيرتهم بتناقلها.

الفعاليات
فبراير 2017
د ن ث ع خ ج س
 
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728