الرئيسية »  كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر على الناس | #شذرات_من_معرفة

How to Win Friends and Influence People

 (1936) By Dale Carnegie

كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر على الناس

للكاتب والمتحدث الجماهيري ديل كارينجي

 

المقدمة

لماذا كتبتُ هذا الكتاب ولماذ تقرؤه أنت؟

عملت لسنين طويلة، تزيد عن الثلاثين عاماً، في تدريب الناس على الحديث الجماهيري من واقع خبرتي، إلا أن ما لاحظته هو أن حاجتهم لتعلم فن التعامل مع الآخرين والتواصل معهم هو ما يحتاجونه أكثر من مجرد الحديث معهم، وهذا ما كنت بحاجةٍ له بالفعل حتى تدربت على ذلك مع كثرة التجارب وكنت أتمنى لو كان تعلمت ذلك عن طريق أحد الكتب، وهو ما لم يحصل حتى ساعة كتابتي هذا الكتاب. لذلك كتبتُه لأقدمه لمن يريد كسب الأصدقاء والتأثير على الناس وتغيير حياته وحيواتهم للأفضل. وهذا ما ترومه أنت منه.

الفصل الأول: تكتيكات أساسية في التعامل مع الناس

 

  • لا حاجة لتحطيم الخلية إن أردت عسلها

 

النقد عديم الفائدة لأنه يضع الفرد موضع الاتهام فيكافح في سبيل تبرئة نفسه ولن يمنحه التقدير الذاتي. أما عكسه من قبول فهو ما يدفع الناس للسلوكيات المرغوبة. البغضاء التي تنتج عن النقد تضعف المعنويات وتفسد الأخلاق سواء كان الذي تلقاها موظفُ أو فرد من العائلة أو حتى صديق، ولن تصحح الوضع بل تزيده سوءاً.

إبراهام لينكون، الذي قيل عنه إنه “أفضل حاكم شهده العالم على الإطلاق” ألا تتساءل عن الذي فعله مع الناس لتُطلق عليه هذه العبارة؟ كان لينكون، في الحقيقة، معروفاً بنقده اللاذع والساخر، حتى أنه كان يُلقي برسائله الناقدة على المقصودين بالشارع ويصّدر مقالات النقد باسم من ينتقده صراحةً ويذيلها باسمه صراحةً. حتى حصل ذلك الموقف الذي كاد أن يودي بحايته في مواجهة قتالية، فكانت المقالة الناقدة التي قادته إلى حلبة القتال بسبب البغضاء نقطة التحوّل التي جعلته يعيد حساباته في تعامله مع الناس. حتى يُذكر عنه أن الناس حين بدؤوا بانتقاد سكان الجنوب في الحرب الأهلية أنه قال “كفى! ستفعلون نفس الذي يفعلونه لو كنتم مكانهم!”

إذا ما أردتُ أنا وإياك أن نفعل شيئاً بغيضاً يستمر لسنوات وحتى موت من نقصده، لننقده نقداً لاذعاً لكن مختصراً، ولا تدقق في مدى استحقاقه له! تذكر دائماً أننا لا نتعامل مع مخلوقات منطقية، إنما مخلوقات عاطفية متسلحة بتحيزاتها مدفوعة بكبريائها.

كل أحمق بإمكانه الانتقاد والتشكي والتذمر. إلا أن ضبط النفس والأسلوب متطلبا تفهم الآخرين والتغاضي عنهم، حتى لا تكون أحمقاً! وكما قيل “عظمة الرجل تظهر في معاملته صغار الناس.”

ربما تصورت أني أقول للوالدين أيضاً لا تنتقدا أطفالكما، في الحقيقة.. أقول انتقداهم لكن بعد تفهم سلوكياتهم، فالانتقاد لن يجدي فيما لا تفهمون دوافعه.

 

  • أعظم سر في التعامل مع الناس

 

هناك طريقة واحدة فقط تدفع كل أحد لفعل أي شيء، وهي أن تجعله راغباً به!  صحيح أن هناك أساليب أخرى لإنجاز المهام التي تأمر بها كالتهديد إلا أنها لن تأتي بطيب نفس. ومقدمة هذه الطريقة أن أمنحك ما تريد، ما الذي تريده؟ هو ما صاغه أحد الفلاسفة المؤثرين، د. جون ديوي : “أشد الرغبات إلحاحاً في الطبيعة البشرية هي رغبة التقدير” إلى هذا يتعطش الناس وإن وضعوه في ذيل رغباتهم التي تبدو ضرورية كالصحة والغذاء والسكن وسائر المتع والرغبات.

رغبة التقدير هذه هي التي تنشدها في ارتداء آخر ما تنتجه لك الموضه ومصانع السيارات، وهي أيضاً التي يتطلع إليها الشباب والفتيات عند الانضمام إلى الجماعات واقتراف الجرائم.

قل لي كيف تكتسب شعورك بالأهمية أقل لك من أنت، ذلك أنه هو محدد شخصيتك. هو الفرق الذي يجعل طبيباً يوجه ثروته لبناء مستشفى حديث في الصين لمعالجة ملايين الناس وبين اللص القاتل. كلاهما حصل أشبع رغبته بالأهمية بطريقته، وفرق الشخصين هو فرق الطريقين. للناس مذاهب شتى في اكتساب التقدير، ولا تستغرب إن لم تكن أساليب حمقاء كتلك التي تمارضت على سريرها في الطابق الثالث فقامت والدتها على خدمتها نزولاً وطلوعاً حتى وافاها الأجل بعد عشر سنين، حينها فقط نهضت من السرير ومارست حياتها، فمصدر الاهتمام غاب! غياب التقدير، في الحقيقة، من أكبر ما يدفع الإنسان إلى الجنون، فتخيّل أني وأنت بقليل من التقدير الصادق والاهتمام الحقيقي نساعد إنساناً سويّاً على ممارسة حياته الطبيعية ونقيه من الجنون؟ تفكر بهذه الكليمات اللطيفة التي نطقناها عوضاً عن تلك الفظّة الناقدة، فلا شيء سيدمره أكثر من تلقي تلك الكلمات الأسنة ممن يفوقه مرتبةً ومكانة.

لربما تصور البعض أن التقدير هو الإطراء، والفرق بينهما شاسع ويمكن تلخيصه بكلمتين: التقدير صادق بينما الإطراء غير ذلك. إذن، حين تُعبر عن تقديرك لأحدهم، قدره بما فيه، لا تختلق شيئاً غير موجود فذلك وإن أصاب مرة فلن يدوم ولن يكون عميقاً ولن يمتن أي علاقة ترو دوامها.

ليكن التقدير أسلوب حياتك الجديد الذي تتعامل به مع موظفيك وزوجك وأطفالك وكل من تتعامل معه باستمرار، تثني على إنجاز ابنك في المدرسة وتبدي امتنانك للسكرتير وتثمّن مواقف صديقك!

  1. من يستطيع فعل هذا سيكون العالم بأسره معه ولن يكون وحيداَ

يهتم الإنسان بما يريد ويعمل لأجله، فما حاجته لمعرفة ما تريد وعمله في سبيل تحقيقه لك؟ حدثه عن الشيء الذي يُريده هو وكيف يمكنه الوصول إليه. لنفرض مثلاً أنك لا تريد لأبنائك أن يدخنوا، هذه رغبتك أنت وربما لن تمنعهم عن التدخين مجرد رغبتك، بإمكانك أن تقول أن التدخين سيمنعهم عن ممارسة الرياضة التي يحبونها. اخرج من دائرة التفكير بما ترغب إلى دائرة التفكير بما يرغب به الآخرون، شاهد الأمور من منظورهم واجعلهم يفعلون ما تريد لأنهم يريدونه وبالطريقة التي يرونها. وهذه حادثة حصلت لأحد حضور دوراتي. يقول عدت ذات مساء للمنزل ووجدت طفلي يبكي ويصرخ رافضاً الذهاب للروضة غداً، ورد الفعل المتوقع هو أن أعاقبه على ذلك وأجبره على الذهاب، إلا أني جلست وزوجتي نفكر بالذي قد يجذبنا في الروضة لو كنا بنفس عمره، أعددنا قائمة بهذه الأمور تحت دوي صراخه، ومن ضمنها الرسم بالألوان المائية والأصابع، جلبنا الأوراق وبدأنا بالرسم، حام ودار وأخيراً طلب الانضمام إلينا! فأجبناه أنه لن يتمكن من ذلك حتى يذهب للروضة ويتعلم ذلك! في الصباح التالي وجدته نائماً في غرفة المعيشة منتظراً الصباح ليذهب للروضة! فعل الطفل ما يريده منه والداه لأنه أراد ذلك، بلا عقاب ولا إجبار ولا قسوة، وبكل حماس!

أن يفعل الإنسان ما يرغب به هو نوع من التعبير عن الذات، إذ لم يجبر عليه بل اتجه إليه طوعاً. فلماذا لا نجعل الناس يقتنعون بالفكرة كما لو كانوا أصحابها لنصل المحصلة النهائية إنجاز ما يريدونه الذي نريد؟ سنكسب عملاً منجزاً وشخصاً مُقدراً لذاته.

الفصل الثاني: الأساليب الستة لكسب إعجاب الناس

 

  • افعل هذا وسيُرحب بك في كل مكان

 

فكر بالطرق التي تفعلها لتكسب من الناس أصدقاءً لك، وفكر بعدد الأصدقاء الذين كسبتهم عن طريقها. هل فكرت؟ أقول لك الآن أنه بإمكانك تكون صداقات خلال شهرين أكثر من تلك التي تكونها خلال سنتين وذلك بأن تكون مهتماً بالآخرين على أن تكون مهتماً بأن يهتم بك الآخرون. وهذا طبيعي، فجميعنا نهتم لأنفسنا!

ثيودر روزفليت، الرئيس الأمريكي السادس والعشرين للولايات المتحدة، اكتسب شعبيته من خاصته أولاً قبل شعبه، كيف؟ لأنه اهتم بما يهم الناس!

يقول ملبّسه إن زوجته سألته مرة عن شكل طائر، فوصفه لها كما لو كانت قد رأته. رئيس الوزراء يتفرغ ليصف لزوجة ملبسه طائراً! هل انتهت القصة عند هذا الحد رغم امتنان الزوجة لما فعله؟ لا، طرق عليهما يوماً باب المنزل الذي يسكناه قريباً منه ليخبرها أن هناك مجموعة من الطيور التي سألت عنها لو كانت تريد معاينتها بنفسها!

تميّز روزفلت بمناداته كل شخص يعمل لديه باسمه، ويحييّه بحرارة وكأنما هو صديق حميم. لم يقلل ذلك من شأنه بوصفه رئيساً للوزراء، إنما متّن من علاقته بشعبه وجعل من يعرفه يتفانى في أداء عمله لأن تلقى تقديراً شخصياً واهتماماً بما يهتم به، وأي شيء أكبر من اهتمام الشخص بوجودك؟

لا تنتظر أن تكون رئيساً لتفعل ذلك، ابدأه مع عائلتك وأصدقائك وزملاء العمل، ستلحظ تغيراً رائعاً وذا تأثير طويل المدى، حتى آخر العمر!

 

  • طريقة سهلة لترك انطباع أولي جيد

 

وجهك هو أول ما يتطلع إليه الناس، تعابيره وابتسامة شفتيك وعقدة حاجبيك، وليس ملابسك أو مجوهراتك. الابتسامة الحقيقية التي تعنيها حين تميل زاويتي شفتيك لأعلى عندما ترى أحدهم أو تتواصل معه هي بوابتك لترك انطباع أولي إيجابي على من تراه لأول مرة، أو عدة مرات بما يقتضيه تعاملك معه. يقول أحد علماء النفس إن من اعتاد الابتسام بإمكانه إدارة الناس وتعليمهم وبيعهم ما عنده ورعاية أطفال سعداء بفعالية أكبر من غيره. حتى وإن لم تقابل الناس وجهاً لوجه، تأكد أن ابتسامتك، التي أطلقتها بمشاعر صادقة، ستصل للطرف الآخرين عن طريق صوتك ومن بين كلماتك. الناس تعرف الصدق وتلحظه!

لم تتعود الابتسام؟ عوّد نفسك عليه، أجبر نفسك على الابتسام لنفسك في المرآة ولكل من تراه. مع مرور الوقت ستجد المحيط النفسي قد تغير، أما أنت فصرت إيجابياً، والناس حولك أقل توتراً وستلحظ أن السعادة والطمأنينة رفرفتا على بيتك بسبب تبعات الابتسام: تحية صباحية، كلمات لطيفة، سؤال عن الحال، قلة تذمر، تقدير عوضاً عن النقد. ولا أحصي عدد الذين فضلوا التعامل مع شخص على آخر رغم مؤهلات الأخير التي تفضل على الأول، وما ذلك إلا لدماثة خلقه الذي استفتحه بالابتسامة.

للفكر قوّته، وحتى تستفيد منه وتوظفه لصالحك لتكون الشخص الذي تريد أن تكونه ابدأ التغيير بخطوات صغيرة، ستلاحظ أن الخطوات تجر أخواتها لتبدأ عملية تغيرك المنشودة. هل تعلم أن تكرر رؤية الشخص للمتجهمين تؤثر سلباً على حياته وعطائه؟ لا تكن جزءاً من هذا التأثير وكن جزءاً من تغييره بابتسامتك الحقيقية إذ أنها تؤدي رسالة مفادها: ما زال في الحياة بقية من متعتها!

 

  • ستقبل عليك المتاعب إن لم تفعل هذا الأمر

 

لا شيء أحب على قلب الإنسان من أن يُنادى باسمه، وكأن مناديه يعرفه. مهما تطاولت السنين وتباعدت الأزمنة، سيشعر الناس بقرب من يخاطبهم بأسمائهم مهما قصرت مدة التعارف، وإذا ما خاطبهم كتابةً اعتنى بإملاء الاسم كما يرغبون أو يحبون. وكان لبعض الساسة أساليب في حفظ أسماء الذين يقابلونهم، ليس الشأن حفظ الاسم فحسب، بل المخاطبة به كل مرة تتواصل مع ذلك الشخص لأي غرض. مسؤول الحملة الانتخابية التي قادت فرانكلين روزفيلت إلى البيت الأبيض كان يقابل جمعاً غفيراً من الناس في المقاهي والمطاعم والبيوت، ويحتفظ بقائمة أسماء كل من قابله، حتى إذا ما بدأت الحملة أرسل إلى كل فرد رسالة ودية خاصة باسمه. هذه الرسائل المصدرة بأسماء أصحابها لعبت دوراً كبيراً في توسيع قاعدة شعبية روزفيلت وكل من يعمل معه. لربما قلت أن ذاكرتك غير حديدية لتتذكر أسماءً سوى أسماء عائلتك! لا بأس، حاول ذلك، تدرب على حفظ الأسماء وكررها واستخدم الأساليب التي ستعينك على ذلك.

 

  • طريقة ميسرة لتكون محاوراً جيّداَ!

 

كنت يوما في حفل عشاء، ومن بين الحضور عالم نبات. تعرفت عليه وبدأ يحدثني عن النباتات وزراعتها، تركت مُضيفي وبقية الضيوف وأرهفت سمعي له. بعدما عُدت من الحفل قال لمضيفي أن كنت مُحاوراً مثيراً للاهتمام! محاور؟! لم أزِد عن أني استمعت إليه وأومأت ولم أتفوه بكلمة! وأمطرني بعبارات الثناء والمديح. قبل توديعه كنت قد قلت له أني استمتعت بكلامه وتمنيت لو أن معرفته معرفتي ولابد من أن تجمعنا اللقاءات لاحقاً. وكنت صادقاً في ذلك كله. ما الذي جعله يُسميني بالمحاور الجيد؟ أني كنتُ مستمعاً جيداً! من النوع الذي يريده الناس، منتبها متفاعلاً مقدراً إياهم، ولا ضرورة لأن تعلق أو تطرح مقترحات أو تعالج الموقف.

ربما لا ينتظر منك الناس شيئاً، لكنهم يريدون من يسمعهم. أتعجب ممن ينفق مئات الآلاف في محله ودعايته ثم يوظف من لا يعبأ بالمستهلك ولا يستمع إلى طلبه ولو كان كل شيء موضح أو شكواه ولو كانت غير مهمة. الاستماع يُعزز الولاء والتقدير لك، وابدأ به في بيتك قبل خارجه.

لا تحصر الاستماع بما تسمعه صوتاً، قد يكون كتاباً أو سيرة ذاتية. لكن كيف يعرف المعني أنك قرأت كتابه أو عنه؟ تواصل معه واسأله عن بعض التفاصيل وعبر عن صدق موقفك ومشاعرك حيال ما قرأته بخطه أو عنه. ستجد مع مرور الوقت أنك كسبت عدد من الناس ممن لهم ثقلهم في الحياة وتأثيرهم في حياتك، وذلك بالاستماع إليهم!

 

  • كيف تثير انتباه الآخرين

 

الطريق المعبدة لقلوب الآخرين هي تحديثهم بما يمثل لهم قيمة معنوية. يحدثني أحد أصدقائي ممن عمل في الكشافة، يقول كنا نرتب لرحلة إلى أوروبا ولكن لم أتوصل بعد للطريقة التي ستقنع الراعي. فسمعت أنه حصل إثر صفقة على شيك بمليون دولار، وهذا من النوادر العجيبة في أيامنا أي أنه حقق نجاحاً باهراً ليستحقه. فما إن دخلت مكتبه حتى طلبت منه أن يريني هذا الشيك لأني أريد إخبار أطفالي أني رأيت شيكاً بمليون دولار! أراني إياه بكل سرور ثم طلبت منه أن يحكي لي كيف حصل له ذلك. حين انتهى، وكنت قد أنصت إليه بكامل حواسي، قال: ما الذي كنت تريده؟! فعرضت عليه طلبي وهو إرسال كشّاف واحد فقط للمهمة، إلا أنه أرسل خمسة أنا منهم وتكفل بالرحلة وأوصى بنا وما زال يرعى كشافتنا حتى هذه اللحظة.

ما هو الدرس؟ أن تعرف على اهتماماتك من ستتعامل معهم وتكسب ودهم من خلال فتح مواضيع حولها ولو كانت لا تهمك، ففي النهاية ستثير انتباه إليك وتكسبه!

 

  • كيف تجعل الناس يعجبون بك فوراً

 

هناك قانون مهم للغاية، لو اتبعناه لما واجهنا الكثير من المشكلات ولكسبنا الكثير من الأصدقاء ألا وهو: أشعر الآخر بأنه مهم دائماً.

ذهبت مرة لمكتب البريد، ووجدت الموظف متململاً من عمله. ففكرت بقول شيء يغير من مزاجه ويضفي على الرتابة شيئاً مختلفاً فامتدحت شعره، اندهش بدايةً إلا أن مزاجه بدأ يتغير وقال لي أنه لا يبدو في أفضل أحواله، ثم قال إن الناس غالباً ما يعلقون على جماله. تغير مزاجه وأكاد أجزم أن كل شيء تغير يومه آنذاك. حين ألقيت هذا الموقف على إحدى المجموعات سألني أحدهم عن ما كنت أريده من الموظف. ما كنت أريده من الموظف؟! هل بلغ بنا الجفاف والأنانية هذا المبلغ أن لا نمنح الآخرين تقديراً ولو بسيطاً إلا بمقابل، فإن لم يحصل هذا المقابل لم نُمكّنهم من سماع كلمة صادقة تغير من مزاجهم أو تزيد من تقديرهم لأنفسهم؟ هل نحتاج لسبب في إبداء الامتنان لمن يقوم بعمله؟!

درب نفسك على تقدير كل من تعرف ومن لا تعرف، شاباً كان أو عجوزاً أو طفلاً، في المواقف العابرة وفي الأجواء الرتيبة وفي التفاصيل التافهة لكنها مؤثرة على الآخر، كل ما عليك أن تكون صادقاً في تعبيرك صادقاً فيما علقت عليه. وربما كان أبلغ تأثيراً إن كان أمام الآخرين ممن تعرفانهما.

الفصل الثالث: كيف تكسب الناس لتأييد طريقتك في التفكير

 

  • لا تكسب أي جدال

 

أفضل طريقة لكسب الجدال هي تلافي الجدال أصلاً! لا تستطيع، في الحقيقة، أن تكسب أي جدال، لماذا؟ لأنك إذا خسرت فيه، فقد خسرت فعلاً، أما إذا انتصرت فيه، فقد خسرت في الحقيقة. كيف ذلك؟ بأنك تكون كسبت انتصارك لنفسك وخسرت الذي جادلته، لأمر لا يكاد يشكل أي أهمية، يكون قد خسر كبريائه فلا تطمع باستبقائه صديقاً لك.

ولو حصل سوء فهم، لا تُنهه بالجدل، كُن لبقاً، دبلوماسياً متعاطفاً متصالحاً مع الآخر، تعرف على وجهة نظره. كثير من جدالاتنا هي بلا جدوى، فنحول كل محاورة أو نقاش مثمر إلى جدل عقيم فنضيع الأوقات ومعها من يفترض أن يكونوا في صفنا عند الحاجة إليهم.

 

  • أضمن طرق كسب الأعداء

 

حين تقف أمام مجموعة وتقول: أنا هناك لأثبت لك كذا وكذا، أو سأقنعك بكذا وكذا، فإنك تستبق فشلك، فهذه الطريقة تخبرهم بطريقة غير مباشرة أنك أذكى منهم وأفضل، وإذا ما وصلت هذه الرسالة فسيجهزون عدة دفاعاتهم ويرفضونك، وربما عادوك. وليس هذا ما تريده طبعاً!

هل تريد إثبات شيء أحدهم؟ لا تخبره بذلك! ماذا تفعل إذن؟ كُن ديبلوماسياً، كأن تقول “لدي فكرة مختلفة، وقد تكون خاطئة، وعادة ما أكون مخطئاً، ما رأيك لو طرحتها وبدأنا بالمقارنة معاً؟” ستخف هنا وطأة تراجعه عليه لو كان مخطئأ، ولن يُحرج وربما اعترف بخطئه، لكن تذكر دائماً أن المواجهة الصادمة لن تجدي في تغيير شيء ولا رأي. اعترافك بالخطأ أو احتماليته، ولو لم تكن مخطئاً في جميع الحالات، سيوقف الجدليات وربما دفع الآخر للتعاطف معك والتعامل بعدل ولو كان مخطئاً لاعترف بذلك كما قلنا.

 

  • قطرة العسل

 

نضطر في الحياة لمواجهة مواقف عصيبة، يكون الناس فيها غضبى أو محتقنين وربما تجاوزوا حدود الاعتراض إلى الاعتداء أو التأثير السلبي على سير العمل أو أي علاقة.

هذه النار المشتعلة لابد من إطفائها، ويخطئ البعض حين يسكب الزيت عليها دون قصد بأن يوجهها بالغضب أيضاً أو اللوم أو التخطئة! إدارة غضب الناس ومشاعرهم السلبية وإن كانت في محلها- في هذه المواقف يحتاج صبراً وأسلوب خطاب ودّي، ليس خضوعاً تاماً ولا صداماً كلياً إنما كُليمات تُضاف على حديثك لتهدئتهم أو ما يُسمى بقطرات العسل التي تحلّي حديثك. هذه القطرات ستجذب إليك وتمتص غضبهم. كأن تقول: أعلم أنك تقدم خدمات جليلة للمكتب، لمساتك الفنية لا تخطئها العين، ما الذي لم يعجبك لنناقشه معاً؟

 

  • سر سقراط

 

افتتح لقاءاتك وحوارك مع الآخرين بما تتفق عليه معهم لا بما تختلف فيه، إذ أنك إذا بدأت بما يحمل كلمة “لا” فإنك تتسبب بانكماش محاورك وتقطع التواصل مبكراً بينكما، والواقع أنك لم تجلس معها إلا لتجسّر العلاقة. تحدث عما تتفقان عليه عموماً، لتكن عبارة “نعم، أتفق معك” أو ما تحرص على سماعه في البداية، وإن رأيت أن الأحاديث أو الموضوع الافتتاحي أخذك إلى ما لا تتفق عليه، تذكر أن أفضل طريقة لكسب الجدال هي تفاديه!

وهذه هي الطريقة السقراطية التي اتبعها الفيلسوف سقراط، فكان له التلاميذ المخلصين الذي نقلوا علمه إلينا دون أن يكتب حرفاً.

 

  • الالتماس الذي يحبّه كل أحد

 

تعرّف على دوافع الناس، ثم تعرف على أرفعها عندهم وأسماها، ثم استخدمه لتلتمس به ما تريد. نشرت إحدى الصحف صورة غير مناسبة لأحد المشاهر، وكل ما فعله أن أرسل الملاحظة التالية: “أرجو أن لا تنشروا صورتي تلك مرة أخرى، لم تعجب أمي.” بإمكانه رفع دعوى قضائية وخوض حربٍ ضروس حتى لا تنشر له صور لا يحبها، إلا أنه اتخذ الطريقة الأقل تكلفة، فلا أحد يجادل على قيمة الأمهات لدى كل أحد. والآخر تمكن من كسب كاتبة شهيرة لصالح مجلته حين قدم لها شيكاً بمئة دولار باسم جميعتها الخيرية المفضلة.

 

  • تفعله الأفلام والتلفزيونات، فلم لا تفعله أيضاً؟

 

أقصد بذلك المسرحية، ألا ترى كيف مسحوق الغسيل في أقل من دقيقة يتحول لمسحوق خارق ينظف الملابس شديدة الاتساخ بلمح البصر؟ والجمهور يتفاعل ويبدي انبهاره وإعجابه؟!  لن يحصل ذلك أبداً بهذه السرعة إلا أن طريقة العرض المسرحية أوصلت فكرة سريعة حول قدرات المسحوق. ضع فكرتك وما تريد إيصاله عند الضرورة في قالب مختلف غير تقليدي، اجعله مسرحية تجذب انتباه متلقيك. أُرهق أحد أصدقائي من توجيه أبنائه لترتيب ألعابهم، ماذا فعل؟ أدى المسرحية! بطريقة درامية أخذ يلعب مع طفليه لعبة القطار؛ دراجة الصبي بحوضها كانت القطار، وألعابهم هي الفحم. ليقود الصبي قطاره الوهمي في أنحاء الغرفة وتجمع البنت في حوضه الفحم، وما عاد هناك أي جدال وصراخ. ما هذا إلا مثال، وبإمكانك تطبيق ما نموذجك الخاص بما يتناسب مع فكرتك، المهم أن تركز على الإبهار ولفت الانتباه!

 

  • إذا نفدت حيلك فاحتل بهذه

 

الحيلة ببساطة هي: أوقد شعلة التحدي

حين تتراجع الإنتاجية، وتستنفد كل طرق التهديد والتودد، الجأ للتحدي.

كان لأحدهم مصنع أحد فرقه لا ينتج بالقدر المطلوب، وقد استنفذ ما يعرفه من ترهيب وترغيب. سأل فريق الوردية الصباحية عن عدد العمليات التي يجرونها في اليوم، أخبره أنها ستة. رسم رقم ستة كبيراً على الأرض ثم مضى. تساءل أفراد فريق الوردية الليلية عن الرقم، فأُخبروا، فتناقشوا: هل يكون الفريق الصباحي أفضل منا؟! لا! فأجروا سبع عمليات ومسحوا الرقم ستة وأضافوا رقمهم الجديد. وهكذا فعل من بعدهم الفريق الصباحي، فانقلب الموضوع إلى منافسة من يعمل أكثر حتى ازدهرت الإنتاجية!

في التحدي تعبير عن الذات، فرصة لإثبات القدرات، للبروز وكسب التحدي. استثمر رغبة البروز الفطرية هذه بالطريقة الإيجابية التي تضمن كسب كل الأطراف.

الفصل الرابع: كُن قائداً: كيف تغير الناس بلا إساءة ولا ضغينة

لما كان دور القائد في أي مكان هو تغيير المواقف والسلوكيات، إليك جملة من الأساليب التي ستيسر لك هذه المهمة

 

  • إن تحتم عليك إبراز الخطأ، فهذه هي الطريقة الصحيحة لذلك

 

ألقى أحدهم خطاباً انتخابياً بذل فيه جهداً لكتابته وإلقائه بطريقة جذابه، إلا أنه لم يكن مناسباً البتة وكاد يضيع أهداف الحملة الانتخابية. أرسل إليه أحد أصدقائه يقول له: كان خطابك رائعاً للغاية! ولا أظن أن أحدهم حتى هذه اللحظة يمكنه أن يكتب كالذي كتبت! هل تظن أن كان مناسباً تماماً لتلك المناسبة؟ ما رأيك لو كتبت الخطاب التالي وأرسلته لي لأحسنه معك؟

هل وصلت النقطة؟ نعم، قبل أن تُشير للخطأ الذي تود تصويبه أثنِ على من اقترفه ثناءً صادقاً لتفتح بوابة القبول ثم أخبره بالخطأ ليتقبل نصحك وربما طلب إرشادك.

 

  • كيف تنقد ولا تحصد كراهية أحد

 

بلفت انتباه المُنتَقَد بطريقة غير مباشرة، فإذا رآك تفعل ذلك دون ألفاظ نقدية أو تقريع أو استدراك بلكنّ، سيقدرك وربما أحبك وسيفهم رسالتك ويعمل على أن لا يتكرر نقدك الذي أحرجه بهذه الطريقة مرة أخرى.

كان صاحب متجر كبير يتفقد متجره، حتى رأى سيدة تنتظر عند صندوق المحاسبة، والمحاسبون في الجهة الأخرى غير عابئين بها. دخل صاحبنا الصندوق، وحاسب للسيدة ثم نادى على المحاسبين لتغليف أغراضها. كانوا مخطئين طبعاً، إلا أنه لم يُشر لخطئهم وقد فهموا رسالته، ولا أظنهم تركوا الصناديق بعدها أبداً.

 

  • تحدث عن أخطائك أولاً

 

من أساليب تصحيح أخطاء الآخرين أو لفت انتباههم إليها إقرارك بأخطائك وما اقترفته في الماضي، حتى وإن لم تصححه، فهذا يعطي توجيهك قيمة ليقتنع الآخر بأنك تريد حقاً مصلحته. عملت ابنة أخي سكرتيرة لدي، وأخطاؤها سخيفة جداً وكنت أنتقدها عليها حتى صارحت نفسي! هيه! مااذا تفعل؟! تكبر الفتاة بعقدين، وتطلب منها أن تفعل مثلك أنت الذي مرت بك التجارب وأخطأت وتعلمت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؟! فبدأت معها أسلوباً جديداً وهو أن أنتقدها على فعلها ثم أقول صادقاً إني فعلت هذا الخطأ بنفس عمرها، أو أنها أفضل مني بكثير حين كنت بعمرها وقد ارتكبت أخطاءً لم يفارقني ندمها لم تفعلها هي، وأن قصدي هو إرشادها. شيئاً فشيئاً تحسن أداء ابن أختي وصارت من أفضل من أعرف في  تأدية الشؤون الإدارية.

الأمر بسيط، اعترف بخطئك لتصوّب خطأ غيرك.

 

  • لا أحد يحب تلقي الأوامر

 

ماذا عن تكنيك يحفظ كبرياء الشخص ويمنحه شعوراً بالأهمية ويصحح خطأ ويجعله يؤدي المهمة المطلوبة دون أن يسمع أمراً؟! هو ذاك.. الاقتراح. جرب أن تطلب من أحد موظفيك أن يكتب رسالة لإحدى الجهات، وهو الأمر المعتاد، بهذه الطريقة: ما رأيك لو كتبت رسالة للجهة الفلانية وأطلعتني عليها؟ فإذا لحظت خطأ فيها، تقول: ما رأيك لو استبدلت هذه العبارة بأخرى؟ هيا قل ما الذي يمكن أن يكون أفضل؟

سيستشعر الموظف تقديرك له ومعاملتك الإنسانية وينساق معك ويؤدي المهمة دون أن يتلقى الاقتراح ربما لاحقاً. لا حاجة للقول بأن الأوامر المباشرة تصبح مملة وتثير البغضاء مع مرور الوقت وربما تناسى مُلقيها إنسانيته وإنسانية من يتلقاها. لا يقتصر ذلك طبعاً على مجال العمل، فعّله بين بيتك ومدرستك ومع كل من يُفترض من سياق علاقتك به أن يتلقى الأوامر منك.

 

  • حافظ على ماء وجه الآخر

 

هل تعلم أن بضع دقائق من التفكير الحكيم تساعدك في حفظ ماء وجه الذي أنت على وشك انتقاده أو إقالته أو تصحيحه؟

عندما تحدث موظفاً أمام زملائه، أو طفلك أمام أقاربكما، عن خطأ فعله أمام الجميع أو اضطر لكشفه أمام الجميع، فلا تزد الطين بلّه وساعده على تجاوز هذا الموقف المحرج بحفظ ماء وجهه، حين يعترف مثلاً أحد الموظفين باقتراف خطأ وأنه سيصححه، لا تصر على نقده أو الإساءة إليه أمام الآخرين لأي سبب ولو كان تأديبياً، تقبل منه ذلك واحفظ ماء وجهه بأن تقول مثلاً أعلم أنك قد بذلك ما بوسعك، والخطأ كان بسبب قلة خبرتك وليست قدرتك، أعلم أنك في مكانك الصحيح. عبارات من هذا القبيل ستساعده على إنجاز عمله بتفانٍ كيلا يخيّب ظنك، وإلا فتوقع، خاصة إن كان من المهمين في محيطك وعملك، انتقاله إلى مُنافسك، أو أن بذرة كرهك قد اُستُزرعت!

 

  • كيف تدفع الناس إلى النجاح

 

يشهد التاريخ في أحادث مختلفة ومتكررة أن كلمة ثناء أُلقيت في أذن مُجد دفعته إلى أعالي النجاح والمجد. فكر بحياتك أنت، ألم يحصل هذا معك؟

كان أحد الأطفال يحلم بأن يكون كاتباً عظيماً، إلا أن الظروف لم تكن مواتية، لم يكمل دراسته واضطر للعمل ليسد جوعه لفقر عائلته. صار يؤلف القصص ولا يرسلها للناشر إلا في ظلمة الليل لضعف ثقته بنفسه. قصة بعد قصة والرفض يتوالى حتى حصل ما جعله يهيم في الشوارع باكياً، إذ تلقى ثناءً على قصته، كيف؟ رآها مطبوعة! هذا الثناء المعنوي على تقدم كتابة ذلك الطفل هو الذي قدم لنا تشارلز ديكينز، أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفكتوري.

الثناء يأخذ أشكالاً متعددة سوى الكلمات، اختر الثناء المناسب للشخص المناسب في الوقت المناسب وتمتع برؤيته ناجحاً بسببك!

 

  • امنحه صيتاً ليعمل على تصديقه

 

يحدث وأن يتراجع أداء بعض الموظفين المميزين أو المهمين دون سبب ظاهر، وربما أفضى هذا التراجع إلى إقالته أو انتقاده بطريقة فظة ليصلح ما أفسده. الواقع أن مهمة استرجاع أدائه المعتاد وربما تجاوزه بسيطة. كُن صادقاً في حديثك معه، حدّثه عن أدائه الجيد أو الرائع وأخبره -مثلاً- عن استغرابك أنه ما عاد يعمل وفقاً لمعاييره القديمة، أو أن أدائه كان مؤثراً على العمل، فتأثر بتراجعه. أشعره أن لديه سمعة أو صيت عُرف به ولا يجدر به التخلي عنه وأُأكد لك أنه سيعمل على المحافظة على هذا الصيت وسترى كيف تجاوزت إنتاجيته ما كان معتاداً منه سابقاً قبل تراجعه. لا يعرف الغالبية بذلك، فعرّفهم بما يتمتعون به.

الخاتمة

تذكر دائماً، أن كل ما أوردته لن يجدي معك نفعاً في تكوين الصداقات والتأثير على الناس ما لم يكن صادراً من صميم قلبك، بكل صدق ولا حمق ولا أنانية. فما أدعو إليه هو أسلوب حياة جديد مبني على الصدق والحقيقة وتغيير الآخرين، وليس على الحيل والالتواءات التي لا تلبث إلا وتتكشف ليُصدم من تحاول كسبه والتأثير عليه. إذا ما عملت أنا وأنت على كشف الكنوز الشخصية والمهارية والمعرفية التي يحتفظ بها من نقابلهم يومياً ونتواصل معهم، فلسنا نغيرهم فقط بل نبدّلهم تبديلاً تاماً. هي كما قلت كُليمات، ودقائق من التفكّر، وها نحن مع أصدقاء مخلصين وأفراد عائلة متحابين وموظفين قديرين.

 

الفعاليات
يناير 2017
د ن ث ع خ ج س
 
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031