الرئيسية »  كيف تغير العالم: الرائد الاجتماعي وقوّة الأفكار | #شذرات_من_معرفة

ملخص كتاب

How to Change the World: Social Entrepreneurs and the Power of New Ideas

By David Bornstein,2007

كيف تغير العالم: الرائد الاجتماعي وقوّة الأفكار

المؤلف: ديفيد بورنيستين، نُشر عام 2007

(مترجم)

 

 

المقدمة

هل بالإمكان الحد من الفقر؟ أو توسيع خدمات الرعاية الصحية لتشمل كل ركن من أركان العالم؟ أو تعليم كل طفل في كل بلد؟ لربما بدت هذه الأسئلة محض خيال، ومستحيلة التحقيق، إلا أن الواقع الذي أخفته الأخبار التي لا تتناول إلا مصائب العالم ومشكلاته قد قدم بالفعل مبتكرين أوجدوا حلولاً متقدمة لتغيير وجه الحياة حول العالم.

حين تُجيل بصرك في العالم حولك ستعلم أن الواقع الذي كان مُنقسما إلى ملكوتٍ اجتماعي وآخر اقتصادي قد تقارباً فصارا ملكوتا واحداً يساهم الناس فيه بعقولهم ومهاراتهم وشغفهم. وأمثلة رواد الأعمال الذين ترجلوا عن إدارة شركاتهم للعمل في الريادة الاجتماعية لا حصر لها وفي مقدمتهم بيل غيتس مؤسس شركة مايركوسوفت  وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي.

يمثل العمل الاجتماعي إطار العمل الذي يُمكن الرائد الاجتماعي من حل المشكلات التي تتطلب عادة قدر هائل من المال والعمل الإداري والتعمق فيها ورؤية ما لا يراه صناع القرار في الحكومات، فلا حاجة له للجيوش أو الشرطة، فيعمل على إدخال التغيير عوضا عن فرضه والتأهيل الإنساني عوضا عن الاتكالية، مما يهيئ للحكومات  تبني هذه المشاريع الاجتماعية بعد تحقيقها ما عجزت عنه.

لا ينفي ذلك أن أعظم مشكلة يواجهها قطاع الريادة الاجتماعية هي مشكلة التمويل، فهو الذي سيمكن منظمات هذا المجال من توظيف عدد كبير من الموهوبين وبوادر الرواد الاجتماعيين بالرواتب المنافسة. لذا، علينا نشر أهمية الريادة الاجتماعية ودور ريادة الأعمال الجوهري فيها والعمل على توسيع شبكات العلاقات العامة ما أمكن لربط الرائد الاجتماعي القدير برائد الأعمال المُقدّر.

مجال الريادة الاجتماعية من المجالات التي ما زالت تتوسع وتستقطب روادها للعمل على إيجاد حلول لمشكلات جديدة ومختلفة، ومنظمة أشوكا هي إحدى الشبكات العالمية الرائدة في هذا المجال ولديها من قصص الرواد وإنجازاتهم ما أمكنه تغيير الواقع ذي الحال المتردية والمزمنة.

 

فصل: بشر لا يعرفون السكون

معظم المشاريع الرائدة اجتماعياً الذين ساندت أصحابها منظمة أشوكا شخصيات غير مشهورة، ليسوا بسياسيين ولا صناعيين، منهم المحامي والطبيبة والمهندس والمعلم. ليس المهم هو إبراز ذواتهم، بقدر ما هو تسليط الضوء على أهمية نوعية الفرد الذي كرّس نفسه في سبيل التغيير الاجتماعي، وذلك لأن التركيز الآن موجه إلى كيفية تطبيق المهارات الإدارية لتحقيق المكاسب الاجتماعية، وهذا ما لا يتفق مع مفهوم الريادة الاجتماعية. فالرائد، أياً كان مجاله، هو من يثير الفوضى الخلاقة الضرورية للتقدم الاقتصادي، وهو بالذات هو من يقود التغيير المُنظم.

 

ظهور القطاع المدني الدولي

العمل الاجتماعي موجود من عقود، إلا أن ما اختلف هو تطبيقاته ورواده، الاختلاف الذي أخرجه عن مفاهيم القطاع الخيري ليكون قطاعا مستقلاً يدعى بالقطاع المدني، الذي صار من محدداته:

1)      النطاق الواسع الذي لم يسبق له مثيل.

2)      انتشار المنظمات وتنوعها.

3)      التوجه المنظم في حل المشكلات عوضاً عن ردم الهوّات والحلول المؤقتة.

4)      الارتباط الأقل بالدولة وممارسة ضغط معقول عليها في سبيل التغيير.

5)      عقد الشراكات مع الشركات والمنظمات التعليمية والأجهزة الحكومية.

6)      جِدة القطاع التي تُمكّن رواده من استثمار التنافس عليه والتعاونات التي يزدحم بها القطاع.

لا ينفي ذلك وجود منظمات غير فعالة في القطاع المدني، إلا أن ذلك يعطي دروساً لمنظمات أخرى على استغلال قدراتها وإدارتها لتحقق فاعليتها.

تطبيقات هذا المجال ذات أبعاد مستقبلية تُرى بعين البصيرة ومنها: تفعيل دور الحكومات، وتغيير ممارسات قطاع الأعمال وتوجهاته وفتح الأبواب على مصارعها لكل من يريد بذل مواهبه وإدارة ذلك لكله ليكون في صالح المجتمعات.

 

 

ما دافع هذه التغييرات؟

ملخص إجابة هذا السؤال هو: الحواجز التي منعتها.

يحتاج المواطن إلى المال والحرية لإنشاء مُنظمة مجتمعية وهذا ما لا يتوفر له، ولا يتوفر له أيضاً تطبيق ذلك عبر القنوات الحكومية لبطء الإجراءات فيها واتخاذ القرار.

إلا أن التغيرات العالمية التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين مكنته من ذلك إذ وضعت الحرب العالمية أوزارها وسعت الحكومات إلى تطوير مجتمعاتها وتسارعت وتيرة التطور في كافة المجالات وتوسع دور المرأة وأُوجدت التقنية بتطبيقاتها وازداد وعي الشعوب بمفهوم الديموقراطية والحقوق، إلا أن ذلك كله لا يعني أن العالم أصبح في حال أفضل، ففي حين يتقدم حي من أحياء مدينة، تجد جاره في حال مزرية.

هذا ما يجعل الرائد الاجتماعي يفكّر في إيجاد توجهات جديدة لمعالجة الكثير من التصدعات الاجتماعية ووضع نماذج توفر للمجتمع رغد العيش وسلامة الصحة والمحافظة على البيئة. الجميع تتملكه هذه الرغبة، وما يختلف به الرائد الاجتماعي أنه اتخذ خطوة عملية بشأن ذلك وتوافر فيه ما يميزه وما يواجه به العقبات السياسية والاجتماعية والعائلية.

 

 

فصل: من بذرة صغيرة تنمو أشجار البلوط العظيمة

بيل درايتون هو مؤسس منظمة أشوكا للريادة الاجتماعية، وقد أسسها بعد عمله مساعداً إدارياً في وكالة حماية البيئة الأمريكية. ظلّت المنظمة حلماً يراوده  ويعمل على استقطاب رؤيته خلال الأعمال المختلفة التي تقلدها إذ كان يشترط في من يعاونه القدرة الريادية ومتانة التكامل الأخلاقي.

 بحلول عام 2006، دعمت هذه المنظمة أكثر من 1800 رائد اجتماعي، ساعدتهم جميعاً على تقديم الدعم المباشر وتحليل استراتيجياتهم وتطوير خدمات احترافية لوصلهم بالشركات التي تدعم المشاريع الاجتماعية الاقتصادية.

ظل درايتون طوّافاً حول العالم لاستكشاف هؤلاء الرواد ومقابلتهم واختبارهم، فالمنظمة لا تسعى إلى خدمة كل بقعة من بقع العالم، فهذا محال، إنما دعم المشاريع الاجتماعية الرائدة واستنساخها لتطبقها بعد التعديلات في أماكن أخرى تعاني من المشكلات نفسها التي حلتها المشاريع.

وإن كانت منظمة أشوكا رائدة في جهدها المنظّم ورؤيتها المحددة، فقد سبقها إليه مصرف جرامين الذي أسسه البنغلاديشي محمد يونس. وقد أُسس المصرف لإقراض الفقراء دون فوائد لإنشاء مشاريع تجارية تنتشلهم من فقرهم، ومتابعتهم في ذلك حتى تسديد كامل يونهم للمصرف، وخلال عشرين عاماً عمل محمد يونس على تطوير أعمال المصرف ونشره في بلده وحول العالم.

من أوائل المشاريع الريادية التي رعتها المنظمة هو مشروع غلوريا دو سوزا، التي كانت تبلغ الخامسة والأربعين من عمرها وتعمل معلمة للمرحلة المتوسطة حين بدأت مشروعها التعليمي الاجتماعي. حضرت سوزا في عام 1971 ورشة عمل حول المناهج الحديثة في التعليم، أعجبتها تطبيقات هذه المناهج وعرضتها على الطاقم التعليمي في مدرستها إلا أنها واجهت السخرية والرفض وأن هذا النظام لا يصلح لمدارس الهند. فقررت إثبات صلاحيتها بنفسها، فتركت الكتب النظرية في الفصل وخرجت بطلبتها لتشرح لهم الدروس المقررة عملياً وتعليمهم مهارات الحياة الحقيقية كحل المشكلات والأدوار المؤثرة. استمرت سوزا في تجاربها حتى تلقت دعماً من منظمة أشوكا، فاستطاعت  تأسيس منظمة لنشر أفكارها وتطبيقاتها لتحسن البيئة التعليمية في الهند لتُثبت الإحصائيات نهاية المطاف أن تحصيل طلبة منظمتها في مهارات القراءة أعلى بمعدل الضعف من تحصيل طلبة المدارس الحكومية وأعلى بمعدل ثلاثة أضعاف في مهارات الكتابة. هذا الإنجاز الملموس في ظرف ثلاث سنوات أقنع الحكومة الهندية بتبني توجه سوزا التعليمي، وهاهي تراجع سنوياً المناهج التي وضعتها لطلبة المدارس الحكومية.

 

فصل: حين اشتعل النور في رأسي

قصة فابيو روزا من البرازيل: الكهرباء الريفية

في عام 1982، تلقى فابيو روزا حديث الخرج في قسم الهندسة الزراعية مكالمة صار من بعدها وزير الزراعة لدى محافظ إحدى البلديات البرازيلية في أقصى الجنوب. بالرغم من أن هذه البلدية، وهي بلدية بالميراز دو سول، تقع في ولاية ريو غراندي دو سول الثرية، إلا أنها بلدية تعيسة، ليس لديها حتى مبنى إداري مما اضطر روزا إلى العمل في مكتب أمام الكنيسة. وجد روزا أن أولويات المزارعين تختلف عن الوعود التي قُطعت لهم أثناء الانتخابات، إذ لم تكن طرقاً معبدة إنما كانت تعليم أطفالهم والعمل في مزارعهم إذ لا يريدون الانتقال إلى المدينة، الأولويات التي لا يمكن تحقيقها على أراضي زراعية مُقفرة ومنطقة لا تصلها الكهرباء. مزارع بالميراز لا تصلح إلا لزراعة الأرز، المحصول الذي يتطلب كمية هائلة من الماء وهي المشكلة الأولى التي لم يتمكن المزارعون من حلها بالإضافة إلى مشكلة الرز الأحمر بسبب التربة غير الصالحة مما يضطرهم إلى استخدام ربع المساحة الفعلية لكل مزرعة. وجد روزا حل المشكلة الأولى بحفر الآبار الارتوازية وحل المشكلة الثانية بغمر الأراضي الزراعية حتى تغسل عنه تلك التربة، إلا أن ذلك لن يتم إلا بوجود الكهرباء، الكهرباء ذات الضغط العالي التي يدفع سكان المدن لقاءها تكلفة ما يستخدمونه لإنارة مساكنهم. استطاع روزا حل هذه المشكلة حين التقى بأحد المهندسين الذي أجرى تجربة توليد كهرباء ذات ضغط منخفض وتكلفة منخفضة تتناسب مع احتياجات المزارعين في الأرياف، إلا أنها التجربة التي أجلت الحكومة تطبيقها وحصرتها في النطاق الذي حددته لهذا الأستاذ. طبق روزا التجربة في بلديته مع استبدال الخامات الأساسية بأخرى أقل تكلفة وضمنها الخشب الذي يتوفر بكثرة في بلديته. واستطاع أخيراً إيصال الكهرباء وحفر الآبار وتحسين المحصول حتى ارتفع دخل المزارع الذي كان 80 دولار في أعلى مستوياته ليكون 200 دولار على الأقل. كما نظّم آلية رعي الحيوانات لئلا تتضرر المراعي، بالإضافة إلى استثماره في الطاقة الشمسية بتكلفة منخفضة للمزارعين الأكثر فقرا.

كانت الحكومة البرازيلية تعالج الأعراض التي تعاود الظهور بين فترة وأخرى، مما يجعلها تنصرف عن أصول عملها، بينما غاص روزا وكل من دعمه في مشاريعه الريفية ومنهم منظمة أشوكا حتى أمسك بجذروها فعالجها أو استأصلها. عمل روزان ومن معه بدأب على نشر هذه المشاريع واستنساخها للأماكن الفقيرة الأخرى من العالم حتى نال موافقة المنظمات العالمية وتعميم تجربته والاستفادة من خبرته.

 

فصل: العزيمة الثابتة للإرادة الفولاذية

قصة فلورانس نايتنغال في إنجلترا: التمريض

منع ويليام  نايتنغال ابنته فلورانس من العمل ممرضة في مستشفى محلي عام 1845 إذ ارتبطت مهنة التمريض آنذاك بالمستوى الأخلاقي المتدني. إلا أن ذلك لم يثنها عن رغبتها فعملت على تثقيف نفسها والتعرف على أساسيات هذه المهنة حتى قُدّر لها، وبعد عشر سنين، العمل الإداري في مشفى نسائي، لتتلقى بعدها طلب تمريض الجنود المصابين في البريطانية الموجودة في اسطنبول إبّان الحرب العالمية الثانية في عام 1854. لبّت فلورانس هذا الطلب مع أربعين ممرضة أخرى لتجد الوضع الصحي المزري للجنود في المكان الذي لا يزيد إصاباتهم إلا سوءا ينتهي بهم إلى الموت غالباً، وهذا ما ينطبق على المشافي العسكرية الأخرى. أحدثت فلورانس تغييرات جذرية عالجت بها بيئة هذه المشافي بعدما انتزعت مهمة متعهد هذه المشافي وما بحوزته من مخصصات مالية  بمعايير لم تتنازل عنها  كغرف الغسيل التي تخرج منها المفارش والملابس نظيفة ومعقمة والمخازن التي لا تنفذ منها الأدوات الطبية  والمطابخ التي تطبخ ما يحتاجه المرضى حتى أُثبتت نتيجة سعيها بالإحصائيات حيث انخفض عدد الوفيات ليكون 2% فقط بحلول عام 1855.

نقلت فلورانس تجربتها إلى إنجلترا، حيث عدد الوفيات فيها الضعف وذلك لعودة الجنود بإصاباتهم ليجتمع مع الوضع الصحي السيء أصلاً لسكان المدينة، ثم عُممت على القطاعات العسكرية الأخرى ثم انتقلت إلى الهند الذي كان معدل وفيات الجنود البريطانيين فيها ستة أضعاف وفيات سكان إنجلترا.

استطاعت فلورانس بحسها الاجتماعي وإرادتها الفولاذية تغيير القطاع الصحي وتصحيح مفهوم التمريض فأُنشئت المشافي العسكرية المتخصصة وكليات التمريض الأساسية لتنتقل بهذه المهنة من خانة الرعاية المنزلية إلى القطاع الطبي.

 

فصل: القوة البليغة

بيل درايتون، الولايات المتحدة: الفقّاعة

بدأ درايتون أنشطته الاجتماعية في سن مبكرة، عمر التاسعة تقريباً، وذلك بنشر صحيفة تُعنى بالتجارب الشخصية التي غيرت مسارات كاتبيها الحياتية. تنوع داريتون في أنشطته، ووجد أن  ما يحكم علاقات الناس ببعضهم وينظمهم هو القاعدة الأخلاقية، لا القواعد التنظيمية.

دأب داريتون على التزود بكل ما يدعم رؤيته ويوسع آفاقه والتطبيق المُباشر، من ذلك التنقل الوظيفي الذي يمكنه من التعرف على القضايا الاجتماعية الحقيقية وبناء العلاقات مع مختلف الأفراد في كافة القطاعات للاستفادة من خبراتهم وحضور ورش العمل والدورات، ومن ذلك ما حضره لدى عالم النفس ديفيد ماكليلاند. عرف ماكليلاند الدوافع المسيطرة على البشر بأنها الحاجة للقوى والحاجة للانتماء والحاجة للإنجاز، وأن الرواد الاجتماعيين تواطئوا على عدة صفات تنطلق من هذه الحاجات منها أن حاجتهم العارمة للإنجاز تمنع عنهم التأثّر بالآخرين فيما يتعلق بالأهداف طويلة المدى، وتفاديهم الظهور الاجتماعي وعملهم على معالجة ما تقدمه لهم المشكلة من حقائق. يُعد الرائد الاجتماعي نفسه رائداً بالفعل لكن ليس بالمفهوم الذي يعني خوض المخاطر، فما هذه المخاطر إلا تحديات قبِل بها وعمل على تجاوزها ولا يرضيه إرضاءَ حقيقي إلا أن يرى العالم قد سار وفقاً لما يريده.

توصل درايتون بعد سنين في عمله في وكالة حماية البيئة إلى مفهوم الفقاعة الذي يقوم على تخيّل وجود مصنع، وهذا المصنع محاط بفقاعة كبيرة تمنع خروج تسريباته الكيميائية وعلى العاملين فيه الحد من هذه التسريبات وفقاً للقانون ودون مصادمة الحكومة. هذا المفهوم طبقه درايتون فعلياً للحد من التسريبات الملوّثة، فنقله إلى الريادة الاجتماعية ليُمكن إحداث التغيير الاجتماعي والحراك السياسي بأقل الخسائر، إذا العمل الاجتماعي يعزز دور الحكومة ولا ينفيه أو يُسقطه.

 

فصل: لماذا لم يخبرني أحد بذلك قط؟

كانت  غاية درايتون خدمة المجتمع خدمة نوعية، إلا أن عدد من المشكلات ظهر على السطح مثل الخلافات العرقية والحساسيات الثقافية بالإضافة إلى ضرورة تفادي التضمينات السلبية لكلمات مثل تبرع ومنح إذ تعني ضعف الثقة وأن الرائد الاجتماعي غير مستحق للشراكة في توجه المنظمة، آمن درايتون بأن التغيير الاجتماعي وتعزيز الابتكار يكون برعاية أبطال أفكار التغيير، فما كان من أشوكا إلا أن قررت حل الهيئات التي أنشأها للبحث عن الروّاد الاجتماعيين في بلدانهم وإحلال محل كل هيئة ممثل واحد في كل بلد وتسيير راتب له لضمان تفرغه الكامل لمهمته عوضاً عن التطوع في فضول وقته.

جال درايتون  البلدان واختار الأعضاء واختبرهم، مازج ما بين الحماس والغضب، والمثالية والعناد، وثق بطاقم عمله الشاب وأولاه المسؤوليات، وكان حريصا جداً على وضع كل سنت في محله والحد من الإهدار في كل جانب، وانتهج في مقابلاته الأسئلة التي تبدأ بالسؤال “كيف؟” ويكثر منها ليحدد أهلية المُرشح لمفهوم الرائد الاجتماعي.

ازدهرت المشاريع الاجتماعية البرازيلية في كل جانب وعلى مستويات محلية إبان الإطاحة بالحكم الدكتاتوري منتصف الثمانيات، مشاريع التعليم والصحة والبيئة والقضايا الأخلاقية والأيدي العاملة الفقيرة وحقوق الأقليات، كلّ في مجاله وفيما يخصه، حتى عبّرت ليني، ممثلة أشوكا في مدينة ريو دي جانيرو، عن انبهارها بهذه الريادة الاجتماعية بقولها:”لم يبدُ أبدا أني قد عشت في ريو لمدة عشر سنوات وأقرأ فيها صحفها.. لماذالم يخبرني أجد بذلك قط؟!”

 

فصل: عشرة-تسعة-ثمانية-خط الأطفال الساخن!

قصة: جيرو بيليموريا، الهند: حماية الأطفال

أطلقت جيرو بيليموريا الخط الساخن لحماية الأطفال لتلقي اتصالات كل طفل يُساء إليه أو يطلب المساعدة، وخاصة أطفال الشوارع. والمميز في هذا المشروع الاجتماعي الرائد أن من يخدم أطفال الشوارع عبر هذا الخط هم أنفسهم من أطفال الشوارع!

تتضافر الجهود في هذا المشروع بين الأجهزة الحكومية والموظفين الاجتماعيين والمتطوعين الشباب وأطفال الشوارع. فحين يتصل أحد الأطفال، يرد عليه ممن يعرف التعامل مع طبيعته، وهم أطفال الشوارع، فيتم تسجيل مجريات المكالمة وتحديد المساعدة التي يحتاجها، فيذهب الموظف الاجتماعي إلى مكان الطفل فينقله لمأوى أو مشفى أو العناية التي يحتاجها، فإذا حصلت مشكلة خلال ذلك يقدم أطفال الشوارع مقترحهم لمعالجتها لأنهم الأعلم بذلك. الخط الساخن لحماية الأطفال في حقيقته لا يقدم خدمات خيرية أو إيوائية، إنما هو خدمة تسعى إلى تمكين الأطفال من حقوقهم في كافة المرافق والتسهيلات الممنوحة لهم، وعليه فهي خدمه تُنقذ الطفل وتعاقب كل من يعتدي عليه.

كانت بوادر هذا الخط الساخن حين انتقلت بيليموريا من العمل في تخصصها، التجارة، إلى العمل الاجتماعي وأعطت رقمها لمجموعة من أطفال الشوارع للاتصال بها في حالات الطوارئ، إلا أن اتصالاتهم لم تنقطع منذ ذلك الوقت، ووكالات حماية الأطفال تفتقر إلى الآلية التي تفعل بها خدماتها وتصل إلى مقرات الأطفال، مما دعا بها إلى تكثيف العمل مع الأجهزة الحكومة كالشرطة ودور الإيواء، وما نجحت هذه الجهود إلا بدعم ثلاثة عوامل: 1) انتشار الهواتف العمومية، 2) توسع المنظمات التي تُعنى بالأطفال، 3) استجابة الحكومة الهندية لعقد الشراكات مع المجموعات المدنية.

مضت السنة الأولى بأخطائها وتجاربها، ووضعت  بيليموريا خلالها برنامج تدريبي عام لكل من ينضم إلى العمل معها، ومنه الإسعافات الأولية وتنظيف الأطفال والقانون الهندي. كانت بيليموريا وكل من ساندها صارمون في عقد الشراكات وفضها مع المنظمات الأخرى، فشرط العقد يكون بتمكين الطفل من حقوقه في تلك المنظمة وفضه يكون بسبب رفضها للمعاقين ربما أو تفشي الفساد فيها. كما وضعت برنامج تثقيفي للعاملين في الجهات الحكومية كالمستشفيات ومحطات القطارات يبني أواصر الألفة بينهم وبين أطفال الشوراع، كما استطاعت إيجاد موارد تمويل داخل المنظمة.

 

فصل: دور الرائد الاجتماعي

استفاضت الدراسات حول رائد الأعمال وشروطه ومواصفاته ومواهبه، ولم يتلقَ الرائد الاجتماعي إلا أقل القليل من هذا الزخم، إذ أن هناك اختلاف في رؤية دور كل فرد في هذين المجالين: الأعمال والمجتمع.

من الخطأ أن يُظن أن مدار التغيير الاجتماعي هو الفكرة، والناس متفرجون فهذا المفهوم هو ما يعطّل الريادة الاجتماعية التي يتصدى لها ويبذل كل ما بوسعه من لا يناسبها في سبيل الفكرة الخلاقة.

تعالج أفكار الريادة الاجتماعية جذور المشكلات، لذا لابد له من مهووسين يتمتعون بالمهارة والدافعية والنشاط والعناد وتسخيرها لكل ما هو ضروري لتحقيق ما يريدونه من إقناع وإلهام وجذب وتنوير وملامسة العواطف بآلية منظمة ذات غايات ومقاصد، لذا فإن كل رائد اجتماعي على الأغلب لديه رؤية ودافعي وغاية شريفة ومهارات إقناع وتجلّد مذهل، وهذا ما يخبرنا به التاريخ عند استقراء المشاريع الاجتماعية الرائدة مثل حركة تحرير العبيد في أمريكا وتوحيد مخازن المؤن والموارد في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى وحملات التوعية بضغط الدم الذي يودي بحياة الآلاف وعلاجه الزهيد وتلافي أخطاء التخدير الطبي بحد أدنى من التثقيف ومعالجتها في حينها.

 

فصل: “أي نوع من الأمهات أنتِ؟”

قصة: إرزبيت زيكيريش، هنغاريا: معيشة تساند المعاق

تدهورت حياة إرزبيت زيكيريش عام 1976 بعد ولادة ابنها تيبور بعدة أشهر، حيث اكتشفت إصابته بإعاقة عقلية لن يتمكن معها من ممارسة الحياة طبيعياً إن قُدّر له العيش بعد سن الرابعة. تخلى والده عنه تحرجا منه، إلا أن ما هزّها هو قول إحدى الحاضنات حين أرادت ترك تيبور لديها لبضع ساعات وأجابت بالنفي على سؤالها عن قدرة تيبور على استخدام دورة المياه لوحده :” أي نوع من الأمهاتِ أنتِ؟!”

قررت زيكيريش بذل ما بوسعها للعناية بتيبور، العناية التي تجعله مستقلا بنفسه رغم إعاقته وبدأت بذلك بإعداد قائمة الفروقات بينه وبين غير المعاقين، فوجدت أن ما لا يستطيعه المعاق لانعدام قدرته لا يفعله غيره رغم مقدرته فتيبور لن يتمكن من الطبخ، وكذلك الملايين من الناس الذين لا يعرفون الطبخ، كما أنه لن يتمكن من غسيل ملابسه، فكذلك ملايين الناس لا يعرفون كيفية غسيل ملابسهم، وهكذا حتى توصلت إلى حقيقة مفادها أن الاختلاف بين المعاقين وغير المعاقين هو اختلاف كمي لا نوعي.

تخلي عائلة زيكيريش عنها وعن ابنها دفعها لتحقيق حلمها القديم في بناء مكان يشعر فيه الناس أنهم أهلٌ لبعضهم. هذا الحلم أضحى ضرورة لأن هؤلاء الناس سيكونون عائلة تيبور المستقبلية، ومما دفعها لذلك أن دور الرعاية الحكومية لم تكن مؤهلة للتعامل مع ذوي الإعاقة كلٌّ بحسبه وكانت تسودها الفوضى التنظيمية وضعف مستوى النظافة.

حاولت التعرف على أهالي المعاقين ممن يشاركونها الهم نفسه، وفي الوقت نفسه أوجدت دخلاً يغطي مصاريف تيبور خاصة فكان خياطة الملابس الداخلية من بقايا الأقمشة التي تأخذها من مصنع قريب، كانت عارفة بصناعة النسيج لعملها سابقاً في مصانع للسجاد والأقمشة. ولأن القضية مشتركة، أدخلت زيكيريش أهالي المعاقين في خط عملها فصارت توزع بقايا الأقمشة فإذا ما تحولت إلى ملابس جمعتها منهم وباعتها ثم قسمت الأرباح بينهم. ولأن القانون الهنغاري يمنع مثل هذه المشاريع الخاصة، كان معرضاً للإغلاق في أي لحظة، وما تنفست زيكيريش الصعداء إلا في عام 1982، حين أقرت الحكومة قانوناً يُجيز هذا النشاط.

بتأسيس مصنع النسيج مصرح له، قررت زيكيريش إدخال المعاقين جنباً إلى جنب مع أهليهم في صناعة السجاد ليتمكن المعاق أيضاً من تلقي دخل يغطي احتياجاته ولا يجعله عالة كما يُراد له. كانت الأعمال في المصنع تُسند بحسب الإعاقة. وما المصنع إلا خدمة ملحقة بمؤسسة اجتماعية أنشأتها زيكيريش لرعاية المعاقين، إلا أن المصنع كشف لها المشكلات التي زوّرت أسبابها المنظمات الأخرى التي استقر فيها بعض المعاقين قبل انتقالهم لمؤسسة زيكيريش، فالمكفوفون مثلاً لا يعرفون لغة الإشارة إلا أن تقرير إحدى المنظمات وصف أحدهم بأن لديه ميول سادية، كيف يمكن معرفة ذلك وهو لا يستطيع التواصل أصلاً؟ بذلك زيكيريش جهداً مضنياً تكاتف فيه مختلف المختصين من مختلف المجالات في تأهيل المعاقين قبل انخراطهم في أعمال المصنع لأن الحياة الاجتماعية هي ما أُسست لأجله هذه المنظمة، لا مجرد إنتاج المزيد من السجاد. بعد ذلك لم تقبل زيكيريش بتوظيف كل من لديه خبرة في المؤسسات الحكومية لصعوبة تغيير مواقفهم وتعاملاتهم مع المعاقين.

بالرغم من عدم تقبل كثير من الجهات والعائلات لمفهوم دمج المعاقين وتسويتهم بغيرهم إلا أن زيكيريش واصلت عملها ووسعت تطبيقات المفاهيم التي قامت عليها منظمتها ووضعت نماذج دمج واقعية  واستطاعت عقد شراكات مع الجهات الحكومية والخيرية والربحية ونقل هذه النوع من الريادة الاجتماعية إلى خارج البرازيل. وحين بلغ تيبور السابعة والعشرين من عمره، رأت أمه أن جُهد السنين السالفات لم يضع سدىً، إذ أخذ يساعدها في الطهي، المهمة التي قيل لها أنه سيعجز عنها للأبد.

 

فصل: هل هو مولع بالفكرة ولعاً حقيقياً؟!

من الأسئلة التي أثيرت في منظمة أشوكا هو ما مدى إمكانية إيجاد نظام يتعرف على الرائد الاجتماعي قبل شهرته؟ وكيف لهذا النظام أن يستمر في أعماله دون اعتماده على فرد واحد مميز؟

قضى درايتون منتصف الثمانيات وحتى نهايتها في التنقل بين دول آسيا وأفريقيا اللاتينية باحثا عن من يمكنه أن يمثل منظمة أشوكا ومرشحين لها إذ أنهم سيكونون المسؤولون عن الأجيال التالية التي ستخرج بمساندة أشوكا. درايتون لم يتنازل عن مواصفات ممثل أشوكا ومرشحيه التي كان من ضمنها معرفته بعدد من المجالات وتقديره للمخاطر السياسية المحتملة وما هو أهم من ذلك كله إنصاته للآخرين بمختلف خلفياتهم لاكتساب إدراك تفصيلي عن أفكارهم وسيَرهم.

من النادر أن يُعرّف الرائد الاجتماعي نفسه، إذ أنه لا يفكّر بكيفية نشر استراتيجياته، إنما يطبقها مباشرة وبغريزة الفطرة، لذلك لا تعتمد أشوكا على المستندات المكتوبة إذ أنها لا تعكس تماماً حقيقة عمل هذا الرائد لذا تجري المقابلات التي يتبين من خلالها رؤية الفرد وإرادته وأخلاقياته. ومن الطريف أن يكتشف ممثلو أشوكا أن بعض مرشحيها من أسوأ الناس تعبيراً وكتابة إلا أنهم أكثرهم فاعلية على أرض الواقع!

بنى درايتون هذا النظام، بعد الاستشارات، على أساس أربعة تصنيفات وهي 1) الإبداع، 2) الجودة الريادية، 3) التأثير الاجتماعي للفكرة، 4) التكامل الأخلاقي. لتتشعب منه أسئلة الكيفية لكل إجابة يأتي بها المُرشّح، ليُقرر بعدها مدى توافق هذا المرشح مع معايير أشوكا للرائد الاجتماعي، ليتلقى بالتالي دعمها.

ولهذا النظام سابقة، إذ أنشأه محمد يونس في مصرف جرامين الذي أثبت للعالم إمكانية تطبيق فكرة مثل فكرة هذا المصرف على مستويات محلية لحل مشكلات الفقر، إذ لا ينحصر دور المصرف على تسليف الفقراء واسترداد الديون، بل إن التسليف ما هو إلا بداية عملية طويلة تبدأ بكلمة “كيف” تتشعب منها أسئلة كثيرة ولقاءات وربط بالمنظمات ووضع الاستراتيجيات لتكون السُلفة في محلها وليستفيد المتدين منها بمساندته في إقامة مشروعه.

اختار درايتون الإبداع في مقدمة التصنيفات لأنه الذي يساعد في وضع الأهداف ويساهم في حل العقبات التي تعترض تحقيقها. أما الجودة الريادية، وتعني أن لدى هذا الرائد ما هو مختلف عن السائد ويعي أنه وجوده في هذا العالم يحتّم عليه صناعة التغيير صناعة جذرية، وتُختبر هذه الجودة بمدى ولعه بالفكرة، الولع الذي يبدو ظاهراً ولا يمكن تصنعه ولا كبته. وثالث المعايير هو تأثير الفكرة، ويمكن تحديد الفكرة المؤثرة الاجتماعية بطرح هذا السؤال: هل الفكرة جيدة بحد ذاتها ليمكن نشرها ما إن تظهر وتبرز؟ وذلك ليُمكن استنساخها وتبقى حيّة وناجعة في أي مكان وأي زمان. وأخر هذه المعايير هو التكامل الأخلاقي وهو أهم أصول الريادة الاجتماعية إذ أن لا أحد سيتعاون مع من لا يثق به والتغيير الاجتماعي لن يقبله الناس ويعملون لأجله إذ لم يكن رائده بنفسه نزيهاً وأخلاقياً.

ولا يبقى بعد اختبار هذه المعايير إلا عدد محدود من المرشحين ممن اتفق عليهم مفهوم الرائد الاجتماعي ذلك أن أشوكا ترى أن المجتمع لن يمكن من معالجة مشكلاته إذا كان كل فرد فيه رائداً اجتماعياً.

يُقسم درايتون حياة الرائد الاجتماعي إلى أربع مراحل متلاحقة تتفاوت في مددها إلا أنه لابد من تتاليها وهي:

1)      الإعداد المهني وهي فترة طويلة يكتسب خلالها الخبرة والمهارة والقبول مما يمكّنه من إحداث التغييرات الكُبرى

2)      الاستهلال وهي مرحلة مبكرة يختبر فيها الرائد أفكاره ويبرزها

3)      الانطلاق وهي فترة طويلة يمّتن فيها الرائد أساس منظمته ويستمر في تطوير أفكاره ونشرها

4)      النضج وهي المرحلة الأخيرة التي يصلها الرائد حين يظهر تأثير فكرته في مجالها.

 

فصل: التطلع إلى الامتياز الاجتماعي

تلافياً للأخطاء التي تسببت في إهدار الموارد فيغير مظانّها، عمِلت منظمة أشوكا على وضع الموارد في أيدي من يستثمرها بفعاليها، وهم رواد التغيير المحليين، وعملت على إيصالها لهم عبر قنوات تنظيمية لإحداث التغيير وتسريع الابتكار الاجتماعي. ثم عملت على إقامة ما أسمته بلقاءات الفُسيفساء، لممثلي المنظمة في كل مكان لتُطرح على الطاولة التجارب والأفكار والخبرات لتتكامل فيما بينها لتشكل وجه الريادة الاجتماعية الفعالية.

·         تعليم الأطفال المسؤولية

من أهم نتائج لقاءات الفسيفساء هو وضع الأطفال والشباب في مواجهة مع المشكلات لحلها والقرارات لاتخاذها، إذ أن هذه الممارسات هي ما تُعدهم مبكراً لضمان استمرارية المشاريع الاجتماعية الرائدة وإيجاد أُخرى تحل المشكلات المستقبلية على أساس من الأخلاق والدافعية والتعليم التوجيه.

·         تجنيد المتخصص المبتدئ

أحد أوجه تطبيق مبدأ التكلفة المنخفضة لكن الفعالة هو الاستعانة بالمتخصصين غير المحترفين لتأدية الخدمات الأساسية في المشروع الاجتماعي والتنازل عن الاحترافية في ذلك فهذا مما يسيّر أعماله في سوق لا يصلها أي إمدادات، كما أن ذلك يُيَسر انخراط أفراد المجتمع في هذا المشروع إذ لا يتطلب خبرة ولا احترافية إنما تدريب واجتياز.

·         تصميم إطار عمل قانوني جديد للإصلاح البيئي

يعمل العديد من الرواد الاجتماعيين على إيجاد إطارات عمل قانونية تناغم مابين المصالح الاقتصادية والمسؤولية البيئية. الإطار الذي يُسميه درايتون الفقاعة.

·         مساعدة المنتجِ الصغير على اغتنام فوائد أكبر

يتمحور الانتقاد الاقتصادي العالمي حول تجاوزات العمالة في المجال الصناعي، إلا أن الواقع يثبت أن الغالبية العظمى من الفقراء من ذوي الظروف المهنية الصعبة ليست هذه العمالة إنما أولئك الذين يعملون لحسابهم الخاص كالمزارعين وصغار المنتجين، أي من يطلق على قطاعهم الاقتصاد غير الرسمي.

يركّز الرائد الاجتماعي على هذا القطاع، من الرواد من يعمل على  تمكين أفراده من الوصول إلى رأس المال، ومنه من يعمل على يركز على علاقات السوق وأخرون يركزون على الوصول إلى السوق وغيرهم يركز على إضافة قيمة على العمليات الإنتاجية.

·         ربط التقدم الاقتصادي بالحماية البيئية

لا يمكن، من الواقع المشاهد للرائد الاجتماعي، معالجة مشكلة معينة دون معالجة أخرى، إذ أن المشكلات الصحية هي الوجه الآخر للمشكلات الاجتماعية، والعكس بالعكس. وهذا ما لا يمكن تفاديه ويتوجب أخذه بعين الاعتبار في العمل الاجتماعي الرائد. والعمل على ربط القطاعات المدنية والحكومية والتجارية لإيجاد الحلول المتكاملة.

·         تحرير موارد المجتمع الذي تخدمه

يواجه الرائد الاجتماعي شُح الموارد المالية، إلا أن ذلك لا يُثنيه عن استكشاف موارد أخرى لتوجيهها توجيها إبداعياً يخدم مشروعه الريادي.

 

فصل: فرص جديدة وتحديات جديدة

خلال الثمانينات استطاعت منظمة أشوكا زيادة ميزانيتها مما يعني قدرتها على مساندة الرواد الاجتماعيين حول العالم الذين يواجهون التغيرات السياسية العالمية وانهيار التكتل الشيوعي وتساهل الحكومات التي كانت تصعّب تحركاتهم مما فتح لهم باباً واسعاً من الفرص الجديدة صاحبها كم هائل من التحديات المستجدة أيضاً، فانشترت المشاريع في كل ركن وتوسعت واُستنسخت. ولم تتخلّ أشوكا خلال ذلك عن معاييرها العالية المشروطة لتقديم دعمها، فهذا العالم الجديد هو أحوج ما يكون لهذه المعايير. عمِل الرواد على تهيئة المجتمعات لتقبل الأوضاع السياسية الجديدة والعمل على استقرارها وبناء علائق الثقة بينها وبين الحكومات الجديدة وسياساتها التي اختلفت وذلك لإيجاد ما لم يحققه سلفها خلال العقود الخاليات.

إلا أن الخطأ الجسيم الذي ارتكبته أشوكا هو الإسراع في تمويل الرواد في البلدان الأفريقية قبل استقرارها سياسياً، إذ سرعان ما انتكست واضطربت وصعُب عمل الرواد أكثر.

إثر هذه التغيرات السياسية، ودخول بعض البلدان في الحراك الديموقراطي، أضافت أشوكا معياراً آخر لاختيار ممثليها إذ اشترطت أن يكون من الطبقة الاجتماعية المتوسطة أو العليا ذلك نظراً لتمتع  عائلات هاتين الطبقتين بالموارد وتيسر وصولها إليها، كما أن أشوكا ما زالت متمسكة بمعاييرها ولم تكيّفها لتناسب البلدان المختلفة إذ أن ذلك سيُحيل أعمالها إلى فوضى مشتتة ودون جدوى تُفقد الريادة الاجتماعية معناها.

 

فصل: الممارسات الأربع للمنظمات الابتكارية

  • الإنصات المؤسسي

إحدى المواصفات التي تمتاز بها المؤسسات الابتكارية هي التزامهم بالإنصات، إذ تؤسس نفسها على الإنصات إلى عملائها ولا تترك ذلك للمصادفة إذ أن هذا الإنصات هو ما يتيح لك رؤية آفاق الفُرص التي تُمكّنك من استثمارها لصالح ريادتك الاجتماعية.

  • التركيز على الاستثنائيات

لتكون ممارسات الإنصات مُثمرة لابد أن تكون مُركّزة وتتطلع إلى ما هو استثنائي، كأن يكون طرفا من معلومة غير معهودة أو نجاحاً غير متوقع.

  • تصميم حلول واقعية لمجتمع واقعي

من أبرز بصمات الرائد الاجتماعي أنه واقعي في كل ما يتعلق بسلوكيات الناس إذ يمضي وقته باحثاً عن حلول تتناسب مع واقعهم وترتفع به وتغيّره.

  • التركيز على المزايا الإنسانية

تركّز المنظمات التي تعتمد على تواصل إنساني عالي الجودة على مواصفات التعامل الهيّن اللين عند توظيف طاقميها الإداري والفني، وهذا ما تسعى أشوكاً أيضاً لتحقيقه وهو أن يكون كل موظف فيها رائداً بنفسه متفاعلاً مع منظومة أشوكا ورؤيتها ومتكامل أخلاقياً ومبتكراً اجتماعياً.

وهذه المنهجية ذاتها التي اتبعها مُشنئ مصرف جرامين إذ لا يوظف المتقدمين على أساس من تحصليهم العلمي ولا خبرتهم في العمل المصرفي، وما إن يجتاز إجراءات التوظيف حتى يرسل للتدريب في إحدى القرى، وتمثل هذه الفترة محكاً لاختبار تعامله الإنساني وتحمله لطبيعة عملاء المصرف واتفاق مسعاه مع رؤية المصرف.

 

فصل: الصفات الست للرائد الاجتماعي الناجح

يشترك الروّاد الناجحون بعدد من الصفات، إلا أن الفروق الجوهرية فيما بينهم هي ما تركّزت حول الدافعية، الدافعية التي تجعلهم على استعداد  لتحقيق المشروع أياً كانت صعوباته ومهما طالت طريقه.

  • الاستعداد للتصحيح الذاتي

لا يخلو عمل من الخطأ، ويتصف الرائد الاجتماعي الناجح بقدرته العالية على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وعدم تكراره.

  • الاستعداد لمشاركة الصّيت

يُقال أنه لا يحد إنجازك سقف سماء إذا لم تُعر السمعة والصيت اهتمامك، وهذا ما يؤمن به الرائد الاجتماعي الناجح إذ يعي أنه كلما اتسعت دائرة من يشاركه الصيت اتسعت دائرة من يعرفه ومستعد لتقديم المساعدة لمشروعه.

  • الاستعداد للتحرر من الأُطر مسبقة التشييد

يُحدث الرائد الاجتماعي التغيير بإعادة توجيه توجّهات المنظمات القائمة في مجتمعه، ويمثل القطاع المدني أوسع بقعه يستطيع فيها الرائد تجربة الأفكار الجديدة وتسويقها، ومثال ذلك ما فعله محمد يونس من نشر فكرة مصرف جرامين في المجتمع الأكاديمي الذي عمِل فيه أستاذاً في تخصصه.

  • الاستعداد لتجاوز العراقيل المتداخلة

يواجه الرائد الاجتماعي المشكلات باستعداده العالي لتجاوز العراقيل المتداخلة وجمع كلمة الناس من مختلف المشارب وعلى اختلاف تخصصاتهم وتنوع خبراتهم  لاستثماره في صالح دفع عجلة المشاريع الاجتماعية التي يجمع هؤلاء الناس على الانتفاع بها.

  • الاستعداد للعمل بصمت

حرصت منظمة أشوكا في اختيار أعضاء شبكتها على المحافظة على آليتها في ذلك ورف النظر عن مدى شهرة الرائد المُرشّح ذلك أنه لابد أن يكون دافعه للريادة الاجتماعية الدافعية النقية للغاية التي تدفع به رغم طول الطريق وتُبعده عن الأضواء والبهرجة الإعلامية.

  • قوّة الدافع الأخلاقي

لا معنى للريادة الاجتماعية إن أصررنا على أن يكون أساسها الأوحد هو الدافعية دون أن تكون دافعية ذات طبيعة أخلاقية، لماذا؟ لأن المقارنة بين الريادة الاجتماعية وريادة الأعمال تُظهر اشتراكهما في العديد من المواصفات، حتى إذا ما أتينا للغاية منها يتجلى لنا الاختلاف بينهما: هل هي ماديّة عالمية أم إنسانية عالمية؟

وقد وجدت منظمة أشوكا أن ما يجعل الرائد متسلحاً بالأخلاق هو وجود قدوة ذات قيم وأخلاقيات ألقت بظلالها عليه. إن كانت هذه القدوة قد غيرت من فرد غيّر جزء من واقع مجتمعه، فماذا سيحصل لو تكررت هذه القدوة في أجزاء أخرى من الواقع وانتقلت لمجتمعات أخرى؟

 

فصل: استنساخ برامج العمل

توسعت منظمة أشوكا بأعضائها وتطبيقاتها على مدى السنوات، وشهدت عمل قطاع ريادة الأعمال مع قطاع الريادة الاجتماعية جنباً إلى جنب مما أتاح نقل المشاريع الرائدة اجتماعياً من محيطها المحلي وتمكين استنساخها في محيط محلي آخر عبر وسائط وتطبيقات متنوعة ممكنة الوصول كبناء مواقع الويب والترجمة للغات الأخرى وإنشاء المنظمات المستقلة التي تُعنى بتسيير هذه المشاريع لتتفق مع معايير أشوكا العالية التي تحقق رؤية درايتون حول دور أشوكا في الريادة الاجتماعية: التكامل، واللامركزية والريادة الداخلية والزمالة.

 

الخاتمة: ظهور القطاع المدني

تلقى المجتمع بالقبول مفهوم الريادة الاجتماعية حتى أصبحت الجامعات نفسها تجري الأبحاث وتفتتح الأٌقسام فيها، وتقلّصت الهوّة ما بين قطاع الأعمال والقطاع المدني وألغيت التعريفات التي تفصل ما بين خط العمل الربحي البحت المتمثل في قطاع الأعمال وخط العمل غير الربحي تماماً المتمثل فيما تقدمه الجماعات المدنية، التي لم تصبح قبل الآن قطاعا إذ أن الأصل في هذين الخطين اللذين تنظمهما الحكومة إيجاد قيمة في المجتمع.

تناغمت خبرات قطاع الأعمال مع احتياجات القطاع المدني فوضعت الاستراتيجيات وأوجدت المقاييس وقدمت الاستشارات لتطوير العمل المجتمعي وتحسينه والنهوض بالمجتمعات واستمرت في تقديم خدماتها النوعية.

 

استمرت منظمة أشوكا العالمية بتقديم مساندتها ودعمها لكل رائد اجتماعي يحقق معاييرها ومواصفاتها، وواصلت المشاريع الاجتماعية التي رعتها نجاحها وتوسعها وانتشارها، وما زال القطاع المدني يستقبل المزيد والمزيد من المُصلحين الإجتماعيين، الروّاد منهم خاصة. ربما لا حاجة لمنظمة كأشوكا لتساندهم، إلا أنه من المهم أن يكون لديهم مقومات الريادة الاجتماعية لؤتي جهودهم أكلها.

الفعاليات
مارس 2017
د ن ث ع خ ج س
 
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031