الرئيسية »  العقد العمري المفصلي | #شذرات_من_معرفة

The Defining Decade

By Meg Jay

(2013)

العقد العمري المفصلي

لدكتورة علم النفس العيادي ميغ جاي

 

المقدمة

العقد الثاني من العمر مرحلة مهمة وجوهرية من حياة الإنسان في عصرنا هذا، فقد تغيرت مفاهيم كثيرة حول الشباب، المفاهيم التي اختلفت عن مفاهيم جيل آبائنا وأمهاتنا، وهي التي تشمل ما هو متعلق بقيمة الحياة وقيمة العمل وقيمة العائلة والأطفال وأهمية الاستقرار المالي والسكني والعلاقات والاستعداد للمستقبل وشيبة العمر.

تغيرها سبب اختلالاً في تصورات شبابنا وفتياتنا عن أنفسهم وعن الحياة عموماً، وسمحت لوسائل الإعلام بأن تصوغ هذه المفاهيم بطريقة مزيفة، ينبهر بها العشريني بادي الأمر ويتلهف لتطبيقها بحذافيرها، حتى إذا ما داهمته الثلاثين تفاجأ أنه يسير خلف الوهم!

انتشر التعليم وتأخر سن الزواج وتضاءل عدد أفراد العائلة وتنوعت الوظائف، ولا زال العشريني يظن أن مشكلته هي المال أو تقصيره في الاستمتاع بالحياة، من قال إن المال كل شيء وأن غاية الشباب حياة مرفهة وترفيهية عابثة؟!

سأستعرض، انطلاقاً من تخصصي في علم النفس وتجربتي مع مساعدة المئات من الشباب العشريني الزائر لعيادتي، أهم ما يواجهه الشاب من الجانب النفسي لمشكلات لا تكرر قبل ولا بعد عقده الحالي، مع محاولة الوصول إلى جذورها وحلّها وتصحيح الصورة النمطية عن العقد الثاني، عقد الذروة والأساس لما يليه من حياة.

الفصل الأول: الهوية المتراكمة

من أصعب ما يواجهه العشريني في بداية هذا العقد ما يسمى بأزمة الهوية. فهو في هذا العمر تتنازعه حياته خلال المراهقة وما يريد منه والداه أن يكون عليه، وما يريد أن يكون هو عليه وما يرغب بفعله للاستمتاع بشبابه الذي يسمع عن عنفوانه وألقِه ومغامراته في الإعلام.

وتزداد الأزمة تأزماً إذا كان قد شبّ في بيئة مضطربة تربوياً أو قيمياً أو ثقافياً لأي سبب.

مجموع هذه التداخلات، والتضاربات ربما، يجعله مشتتاً، لا يعلم من يكون وماذا سيكون وكيف ذلك أصلاً. يتنقل بين التخصصات، وإن استمر بأحدها لا يرضى عنه، يتنقل بين الوظائف وإن استقر في إحداها لا يراها إلا بؤساً مدمراً.

ربما بدا ناجحاً ومستقراً من الخارج، إلا أن هويته غير المكتملة داخله تؤرّقه.

ما الحل مع هذه الأزمة إذن؟

الحل هو بحلّها!

أن يعلم العشريني أنه في طور تكوين هويته، فقد كان مقيداً بواجبات ومسؤوليات محُددة سلفاً، ولا  يعني أنها سيئة ليتحرر منها، بل أن الوقت حان لينتقل للمرحلة التالية من المسؤولية بأن يعتمد على نفسه في التعرف عليها وتكوين هويته؛ يتعرف على العالم حوله، يستقي المعارف، يتعلم من التجارب، يختار ما سيكون عليه انطلاقاً من قدراته الكامنة بالاقتران مع مهاراته الحالية والمستعد لاكتسابها.

أن يعمل على تسكين عاطفته، فلا تأخذه الأهواء لما هو ضد مصلحته. لا بأس أن يغير تخصصه أو عمله، لكن لأجل هدف وليس عبثاً أو بسبب ضغط. وأينما كان استفاد وجعله لبنة يبني بها مكونات هويته حتى يصل إلى الهوية المتراكمة Identity Capital وهي التي ستكون عليها شخصيتك، مستقراً باذلاً وسعك لتحقيق رؤية واضحة عن نفسك وما حولك والحياة.

الفصل الثاني: الروابط اللينة

يحب الناس استدامة العلاقة مع أصدقاء الطفولة وقضاء الإجازات مع زملاء الجامعة. يشعرون بالحميمية والثقة والاستقرار في محيط دائرة ضيقة من المعارف، هي التي تساندهم فيما يسعون لتحقيقه وتؤكد لهم أنها تقبلهم كيفما كانوا وأنها مرآتهم لكل ما هو إيجابي وسلبي.

والواقع المشاهد، وأكثر ما شاهدته في عيادتي بكل وضوح وصراحة، هو أن هذه الدائرة الضيقة هي التي تسحب العشريني للخلف. هي تؤكد دائماً له أنه رائع، وهذا ما يجعله يشكك في هذه الروعة التي لا تجعله يتقدم! وهي التي لا تعرف حدود إمكانياته، فلا تدفعه لخوض التجارب الجديدة، كما أنها لا تقدم له الاستشارة الفاعلة، بل الدعم في قراراته التي يتخذها، ولو كانت وبالاً عليه.

هذا ليس سيء طبعا! فلا غنى لنا عن هذه الدائرة الخاصة، إلا أنه علينا أن نأخذ بالحسبان أن هذه الدائرة لا ترى إلا جانب، وجوانب أخرى لن نستكشفها إلا بالتعرف على أناس جدد.

ليس بالضرورة أن يكون التعرف على شخص جديد  بُغية جعله صديقاً حميماً وخلاً وفياً أو شخصاً يحل محل آخر! ليكن التعرف على أساس مهني، لا تصل بالشخص إلى مستوى الصديق ولا تضعه أيضاً في خانة الغريب.

إيجادك لهذه الدائرة من الروابط المهنية، أو الروابط اللينة، يتيح لك تبادل الخبرات حول الحياة واكتساب المعارف التي تضيف إلى خبراتك المهنية وتساعد في تقدمك الوظيفي. فقد تنتقل من وظيفة لأخرى أفضل، أو تصحح استراتيجية عملك على مشروع مهم أو تختصر خطوات اكتسابك خبرة ما عن طريق هذه الروابط اللينة التي تعرفك وتعرفت على إمكانياتك والقادرة على تصويبك بلا حرج، فلذلك اتصلت أصلاً!

وتكوينها ليس صعباً البته. فلا تكاد تجد عشريني ليس معه هاتف ذكي ويجيد استخدام تويتر وفيسبوك! كلمة مرحباً، وعبارة أرغب باستشارة، وربما رد خفيف، يفتح لك آفاقاً مهنية لم تتخيل تسارعها إليك. أعدد نفسك لتكون كُفئاً لها.

الفصل الثالث: الحقائق المنسية

من المخيف أن تكتشف في منتصف العمر أنه لا يوجد معجزة لتنتشلك من الفوضى التي تسبح فيها، ولا يمكنك انتظار أحدهم لينقذك أيضاً!

حياتك رهن يدك، وأنت من يمد يد العون لنفسه!

وما يعزز هذه المعضلة أنك لا تعرف ما الذي تريد فعله في هذه الحياة، أو على الأقل لا تعرف ما الذي ستفعله في المرحلة التي تتبع تحقيق  أهدافك الحالية، لو كانت لديك أهداف.

وكثيراً ما تأتيني حالات من هذه الشاكلة: لا تعرف ماذا تريد، وقصارى ما تفعل أن تؤمن معيشتها اليومية، تظن أنه ليس لديها ماضٍ ولا مستقبل ولا سبب أصلاً لاختيار طريق على آخر.

ويزيد من تيهه الأصدقاء والوالدان الذين يطمؤنه أن ما يفعله طبيعي، ولم يصل بعد السن الذي يوجب عليه اتخاذ قرارات حاسمة، وأنه رائع وكل ما عليه تحقيق أحلامه.. الأحلام التي لا يعرف ما هي!

الكل يشجعه لتحقيق هدفه، لكن لا يعطيه خارطة لذلك، وهذا ما يفقده بعض العشرينيين، إذ يعني له ذلك عدداً هائلاً من الخيارات التي لا يستطيع الاختيار من بينها!

وفي هذه الحالة اتبعت تجربة المربى، التي تنص على أن الإنسان بإمكانه اتخاذ القرار بوضوح إذا انخفض عدد خياراته، وكلما اتسع صعُب عليه ذلك ويصل به الأمر إلى تركها جميعاً.

وهذا ما هي عليه حقيقة الشاب العشريني، خياراته في الحقيقة محدودة، وهي مرتبطة بماضيه وما هو عليه، أي ما تعلمه وجرّبه واهتمامته حالياً.

هذا أيضاً يجعل الشاب يدخل مرحلة “الحقائق المنسية”

فهو يعرف عن نفسه الكثير، ويعرف ما يريد وما يمكنه أنه يفعل إلا أنه ينساها متعمداً لأسباب مختلفة منها خوفه من فكرة الناس عنه أو أثر ذلك على حياته.

إن اتخاذنا قرار ما، يعني تعريض أنفسنا للعمل الجاد والتجارب الفاشلة والألم النفسي، لذلك من السهل أن لا نعرف شيئاً، ولا نختار شيئاً، ولا نفعل أي شيء، ولا تجري الحياة كذلك طبعاً.

استحضر كل ما تعرفه عن نفسك، واتخذ قرارك وتوقع الضغط النفسي، فكل شيء سيمضي، وعليك اتخاذ وجهتك.

الفصل الرابع: لابد أن تبدو حياتي على الفيسبوك أفضل!

لن تصدق عدد المرات التي أسمع فيها كلمة “فيسبوك” أسبوعياً، إذ يعتقد الكثير من زوّار عيادي أن واقع حياتهم هو ما يعرضونه على شبكة التواصل هذه، وهي التي سيقيمهم الآخرون من خلالها.

فيسبوك وبقية شبكات التواصل وُجدت لتكون القوّة التي تربط الناس وتمتّن علاقاتهم وتقلل من الشعور والوحدة والعشوائية، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه استخدام شبكات التواصل للعشريني خاصّة. إلا أني وجدت أنهم يكرهون الفيسبوك خفية!

وإن كان وعي الشباب فيما يتعلق بحياة المشاهير صار أعلى، إلا أنهم ما زالوا يقارنون أنفسهم بأصدقائهم. كل شيء على فيسبوك رائع وجميل وخلّاب، لذا يشعر من لم يحقق هذا المستوى العالي من الروعة والجمال أنه بلا جدوى، ليدخل في دوامة الاكتئاب والعّزلة، وأحصي بالنماذج عدد لا بأس به ممن اعترف لي أن حياته كانت أسعد وأكثر استقراراً قبل انغماسه في الفيسبوك، الانغماس الذي جعله يكره حياته ويريد تغييرها لتبدو رائعة عليه!

إحدى مراجعاتي أخبرتني أنها تريد تبني طفل يتيم! سألتها لِمَه؟! أجابت: لأن أصدقائي على الفيسبوك يتبنون الأيتام!

ليس لديها اهتمام أو رغبة بالتجارب الإنسانية، إلا أنها تريد خوضها لتكون كأصدقائها على “الفيسبوك!”

وهذا ليس صحي بطبيعة الحال، فمن تعلق بهذه الشبكات وصمم حياته لتكون وفقاً لمستجداتها، سينتهي به الأمر شخصاً بائساً يهيم بلا وجهة، وقد تقدم الآخرون حتى وصلوا مبتغاهم وهو لا يزال يتصفح صفحاتهم!

الفصل الخامس: حياة حسب الطلب

لدينا جميعاً الرغبة الفطرية لتوجيه قدراتنا الكامنة، إلا أن ما يفصلنا عنه هو عدم وضوح معنى هذه القدرات لنا.

أحلام بعض الشباب العشريني محدودة، مما يعكس عدم إدراكه لأهمية خياراته في هذه المرحلة العمرية وأنها ما تشكل مراحل حياته التالية.

وعلى النقض حين أجد بعضهم ينسج أحلاماً ضخمة للغاية أقرب ما تكون للفانتازا منها للواقع ليصطدم بمحدودية قدراته بالمقارنة معها ليدخل في دوامة الإحباط والاكتئاب.

والمسار الصحيح بين هذين الحالين هو الإحاطة بالقدرات وإنزالها بما يتناسب مع الواقع والظروف: فلا تضخيم لها ولا تحجيم أيضاً.

الأهداف هي ما تقودنا في حياتنا، لأنها نابعة من الداخل، أما ما ينبغي علينا فعله فليس إلا تنفيذاَ لأهداف وعوامل خارجية، كما في حالة الفيسبوك. حين ترغب بعمل رائع، اسعَ لأجله لأنك تريده أن يحقق أهدافاً وضعتها لنفسك، لا لتكون رائعاً مبهراً لأصدقائك على الفيسبوك!

وبالحديث عن القدرات الكامنة، لا تتوقع أنك ستستثمرها جميعاً وترى أثرها في عشرينياتك. في هذه العشرينيات ستبدأ بتحريكها وتتبعها، وستجني ثمارها في الثلاثينيات والأربعينيات وما بعدهما. المهم أن تتلمس طريقك وتبدأ.

ستصل للروعة التي تنشدها يوماً ما، لأنك تريدها لأهدافك التي وضعتها لنفسك ولأنك عملت بجد في سبيلها، لا لتُظهر مثالية حياتك ولا تُبهر أصدقائك!

الفصل السادس: الكلام المكتوم

جيل الشباب العشريني اليوم يقضي سنوات طويلة من عمره أعزباً، طويلة بالمقارنة مع الأجيال التي سبقته.

يعتبر ذلك من السنوات المفتوحة حيث يقضيها مع أصدقائه وفي خوض التجارب الجديدة واستغلال الخيارات المفتوحة لدرجة تُقلق الوالدين، ولربما بدا مستغرباً حديثه عن الزواج والتزاماته، ولم يألَ الإعلام الجماهيري جهداً في تقديم الشاب العشريني الذي يقاوم الرباط الزوجي ما أمكنه ليستمتع بحياته.

وما أسمعه في عيادتي يمثل الجانب الآخر من هذا الواقع المُشاهد.

لم ألتقِ حتى الآن بمن لا يريد الارتباط، خاصة أولئك الشباب الذين تتسم حياتهم بالرتم المتسارع والحياة الوظيفية الكريمة، وهم أكثر من يخبرني برغبتهم بالارتباط همساً وكأنهم يفشون سراً.

وكأنما تخبرنا هذه النظرة للزواج أن العلاقات لا يمكن التحكم بها، بينما يمكن التخطيط -في المقابل- للوظيفة.

كل شيء مهيأ لاختيار الوظيفة والتقدم في المجال الوظيفي، وليس الأمر كذلك بالنسبة للزواج، وهذا ما قصده ديفيك بروكس الكاتب السياسي، حين قال: إن قرار زواجك بأحدهم هو أهم قرار تتخذه في حياتك.

الزواج من المراحل المحورية في حياتنا لالتزامنا التام به، إذ أنك تختار شريكك ليشاركك كافة جوانب حياتك، ولا يمكن إنهاء هذا الالتزام بورقة الطلاق، إذ ستستمر مرتبطاً به إذا ما وجد بينكما أطفال.

يؤخر معظم هذا الجيل زواجه ظناً منه أنه الأفضل، سيكون ناضجاً وواعياً ولن يتوقع حدوث الطلاق، مما يعني زواجاً لا ينهيه إلا الموت.

إلا أن هذا الظن، يظل ظناً، إذ ليس دقيقاً في كل أحواله. لتأخير الزواج صعوباته أيضاً.

وما نغفل عنه هو أن الزواج من جملة العلاقات الإنسانية، وكاختيار الوظيفة، لا يأتي فجأة ولابد من بعض التفكير المتزن والمحاولة المحسوبة لنناله.

الفصل السابع: قبل بناء العائلة

ما هو شكل العائلة التي تريد أن تكون سبباً في إيجادها في الحياة -بعد الله-؟ شريكة حياتك: ما هي صفاتها التي تتوافق معها؟ أطفالك، كيف ستربيهم؟ أين ستعلمهم؟ كيف ستكون التربية بينك وبين زوجتك؟

مثل هذه الأسئلة وأكثر لابد أن تطرحها على نفسك، فتكوين العائلة أمر حتمي في عمر الإنسان، وبعيد عن بصر العشريني،  لذا لابد من التفكير فيها في وقت مبكر جداً.

إذ أن هذه المرحلة الاستباقية لبناء عائلتك تركز تفكيرك على ما هو مهم في هذه الحياة فتستشعر أهمية المسؤولية والالتزام، لتعمل بالتالي على تغيير نفسك لتكون زوجاً وفياً ووالداً صالحاً، وتحصر اختياراتك في شريكة حياتك المقبلة وتتعرف على متطلباتك فيها كما تحميك من الحياة العبثية والخوض في تجارب عابرة لا تزيدك إلا تيهاً وفوضى وربما أمراضاً نفسياً وجسدية في فترة اعتداد بقوة الشباب ومجازفته.

ولا أنسى ذكر أن الدراسات النفسية التي أُجريت على مجموعة كبيرة من الشباب خلُصت إلى أن أكثرهم استقراراً كان أبكرهم زواجاً، إذ الحاجات الأساسية من العطف والاحتواء قد توافرت،  فاستعان بها الشاب والفتاة لبناء الحياة المنشودة!

الفصل الثامن: تخير عائلتك

اختيار شريكك الذي ستكون معه عائلتك لا يقوم على رؤية رومنسية، إذ أنك ستتخذ الخطوة التي ستؤثر على حياتك الآن وعلى المدى الطويل، وعلى أفراد آخرين يُسمّون أطفالاً، سترتبط بالشخص الذي ستقرر معه كل جوانب حياتك تقريباً، ولن ترتبط به لوحده في الحقيقة، فرؤيتك حول العائلة التي ستبنيها مرتبطة أيضاً بالعائلتين اللتين أنجبتك وشريكك.

لربما خابت توقعاتك مرة، أو لم تجد الشريك الذي يُساعدك على تكوين العائلة التي تصورت أن تكون القائم عليها بعد بضع سنين. لا ترمِ بنفسك إليه وتتنازل عن ما يهمك لظنك أن السنين ستضمي دون تكوينك العائلة المنشودة. جرب مرة أخرى ولا تيأس، فأنت أمام مهمة عظيمة، لا تؤخذ جِزافاً ولا تؤدى كيفما اتفق.

الأبعاد الشخصية الخماسية

كل بُعد شخصي له طرفان: عالٍ ومنخفض. إن البعد حين يكون عالياً، فإن صاحبه يتسم ببعض الصفات الشخصية، وحين يكون منخفضاً، فإنه يتحلى بصفات شخصية أخرى ربما كانت على النقيض من الطرف العالي.

بتعرفك على أطراف أبعاد شخصيتك، ستتمكن من التعرف على أبعاد شخصيات الآخرين أيضاً، وإيجاد نقاط الالتقاء والافتراق بينك وبينهم، وأهم العلاقات التي ستبنيها بناء على نقاط التنافر والتآلف هي علاقة الزواج، إذ أنها ستحدد نوعية الحياة التي ستشترك في تحقيق غاياتها بتفاصيلها مع غيرك.

عدم توافقك مع أحدهم ضمن هذه الأبعاد لا يعني سوءه، بل أنه لا يناسبك وستكون حياتكما معاً صعبة، فلا تنسَ أن الحياة الزوجية هي رحلتك التي تحتاج فيها إلى من يسندك وتسنده لتدفع المصاريف وتربي الأطفال وتحقق المعيشة الكريمة للعائلة.

وخذ باعتبارك أن 50% من هذه الأبعاد موروث، والباقي مكتسب.

  • البعد الأول: الانفتاح
  1. سمات الانفتاح العالي: الانفتاح على التجارب الجديدة، الفضول المعرفي، الإبداع، الخيال، حس المغامرة، البصيرة.
  2. سمات الانفتاح المنخفض: العملية، التقليدية، تفضيل الروتين، الارتياب، العقلانية، الخوف من الأشياء الجديدة.
  • البعد الثاني: الوعي
  1. سمات الوعي العالي: الالتزام، الكفاءة، التنظيم، المسئولية، الاستقامة، ضبط النفس، الشمولية، قدرة على التحكم.
  2. سمات الوعي المنخفض: مُطمئن إلى المعايير، خلو البال، ربما ظهر الإهمال، العفوية، الميل إلى الإدمان.
  • البعد الثالث: الانبساطية
  1. سمات الانبساطية العالية: المبادرة، الحماس، النشاط، تتبع الابتكارية، تتأجج الحيوية من التفاعلات مع الآخرين، الثرثرة.
  2. سمات الانبساطية المنخفضة: تفضيل الوقت الخاص، الخجل، التحفظ، الوحدة منبع الحيوية، الهدوء، الاستقلالية، الحذر، الاحتياط.
  • البعد الرابع: الانسجام
  1. سمات الانسجام العالي: التعاون، اللطف، الحنيّة، الحميمية، التراحم، الثقة، المطاوعة، التفهم.
  2. سمات الانسجام المنخفض: عدم التعاون، العدوانية، الاشتباه، إساءة فهم الآخرين.
  • البعد الخامس: العُصابية، وتعني مجموع المشارع السلبية التي تؤثر على اتزان الإنسان النفسي.
  1. سمات العُصابية العالية: التوتر، المزاجية، القلق، الحاسية، الميل إلى الحزن، القلق المستمر، رؤية السلبيات قبل غيرها.
  2. سمات العُصابية المنخفضة: الحِلم، الأمان، المرونة العافطية، يلتفت لقيمة الأشياء.

الفصل التاسع: التفكير المستقبلي

هناك ظاهرة علمية معروفة بطلها مدير السكك الحديدية فينيس غيغ. تعرض فينيس لحادث مؤسف بقي بعده على قيد الحياة، وكان أن اخترق عامود حديدي جمجمته مسبباً ضرراً بالغاً لمقدمة دماغه.

ما زال فينيس بعد الحادثة ذكياً ومتقناً لعمله، إلا أن سلوكه الاجتماعي وقراراته اليومية لم تكن كما كانت، بل شابها الكثير من التخبط.

ما حصل لفينيس يحصل للشباب العشريني، دون التعرض لحادث شنيع طبعاً، فمقدمة الدماغ، أو الفص الجبهي لا يزال في مرحلة النمو ما بين العشرين وحتى الثلاثين، وهي المنطقة المسؤولة عن ما يتعلق بالسلوك الاجتماعي والنمطي. يتخبط كثير من العشريين في قراراتهم الشخصية والاجتماعية، فتجده يعرف أن هذا التخصص سيضمن له مستقبلاً وظيفياً جيداً، إلا أنه لا يعرف كيف يبحث الوظيفة المرغوبة أو كيف يقيم العلاقات مع الآخرين ويقرر دوافعها.

وهذه الأمور لا تتعلق بالذكاء العلمي، إنما بمستوى المهارات التي يتحلى بها العشريني أو التي اكتسبها أو تلك التي طورها ليفكر بقراراته وتأثيرها على مستقبله.

تطوير هذه المنطقة يكون بالعمل في وظيفة، بتوسيع دائرة العلاقات الاجتماعية، بالتفاعل مع ما حولك من العالم لاكتساب مهارات التعامل والخبرات الجديدة التي تساعدك على اتخاذ القرارات المناسبة في حياتك وحل المشكلات الاجتماعية والشخصية والعائلية التي تواجهك بطبيعة الحال، فلستَ استثناءً منها لأنك عشريني، ولن تتجاهلها طبعاً!

هذا يعني أن عليك اختيار من تخالط ومع من تعمل، فإن شخصياتنا تتكون من هذه اللحظات اليومية التي نراها ونسمعها، فالعشريني الناجح هو الذي يهتم بتطوير هذه المنطقة حتى إذا ما وصل ثلاثينياته يكون قد اكتمل نضجها واستطاع تحقيق الاستقرار النفسي والعائلي والمهني، كأن يكون عمل على ذلك مسبقاً أو تجاوز كل المشكلات التي تُعيق ذلك. لن يجعله ذلك بمنأىَ طبعاً عن مشكلات أكثر تعقيداً، لكنه سيكون أكثر حكمة عند التعامل معها ليحقق جودة الحياة التي بذل لها جهده ووقته وفكره.

وهذا ما فعله فينيس بالضبط، فحين غير عمله إلى آخر أكثر اختلاطاً بالناس وتعرضها للمواقف اليومية التي تستدعي التفاعل الفوري، استطاع استرجاع اتزان حياته الاجتماعية والشخصية.

الفصل العاشر: هذّب حماسك

يتصور الشباب العشريني الوظيفة فردوسه المنشود، إثبات الذات وإبراز الموهبة والتعلم المستمر.

إلا أن واقع الأمر ليس كذلك، فسيرتك الذاتية ليست وحدها مؤهلك لتولي مسؤوليات وظيفة ما ومهامها.

قال لي مدير للموارد البشرية “لا يعرف العشريني قبل أن يتوظف أنه سيقضي فترة طويلة قبل أن تتم ترقيته، ولا يعلم أن أمراً يصدر بحقه كيلا ينشر تغريدة على تويتر أو صورة مرحة له ولا يعلم أنه ملزم بملابس معينة وأسلوب حديث معين وحتى التصرف بطريقة معينة.”

ما يجهله العشريني حول البيئة الوظيفية تجعله ينصدم بواقعها، فلا يستطيع تحمل متطلباتها أو التعاطي معها.

من قال أصلاً إن عين النجاح الوظيفي هو عدم القلق والشعور بالضغط؟

إن العشريني الذي لا يبدي قلقه حيال وظيفته إما أنه يتمتع بثقة عمياء بنفسه أو أنه عاطل.

وكلما كانت الوظيفة أفضل، ارتفع مستوى القلق، وهذا ما يجعل كل شيء يمر عليك مسجلاً في دماغك،  السيء من الأحداث خاصة، وهذا ما توصل إليه علم الأعصاب. إذا وجد العلماء أن  الدماغ خلال عشرينيات الفرد يُسجل كل ما هو غريب ومفاجئ له، ونظراً لأن كل شيء في حياة العشريني غريب ومفاجئ ولم يقله أحد له ولم يسبق له أن سمع به، فإن دماغه يسجل كل شيء تقريباً، ومع هذا التسجيل فإنه يصدر رد فعل حيال السلبي مما تلقاه أكثر من الإيجابي.

هذه الآلية التي يتبعها دماغ العشريني هي ما تجعله حساس للنقد وناقد لما يحصل حوله، ولم يعلم أن من فن الحكمة معرفة ما يمكن تجاهله، ومعظم ما يحصل في الحياة الوظيفية مما يمكن تجاهله.

هذه اللحظات السلبية التي يسجلها الدماغ لها جانب إيجابي، فهي ما يجعلنا كلما تقدم العمر بنا أكثر حكمة، وتتغير مع خبراتنا آلية تسجيل الدماغ للحظات فيركز على ما هو إيجابي وتكون ردة فعله حيال السلبي أقل حدة.

الفصل الحادي عشر: من الخارج إلى الداخل

الثقة بالنفس من ضروريات التعايش في بيئة العمل. لا يهم أن تُخطئ أو تفشل، فهذا ضروري لتعلمك إن كنت بذلت جهدك واستثمرت ما تعرف، المهم أن تتمسك بثقتك بنفسك رغم كل المصاعب والضغوطات التي تواجهك، حسناً قد تضعف ثقتك قليلاً، لكن حافظ عليها لتزداد.

من مسببات الضغوطات التي يشعر بها الموظف العشريني هو مقارنته موقعه مع موقع رئيسه أو خبرته مع خبرة الموظف الذي سبقه في المكان منذ خمس سنوات أو حتى سنتين.

يسبب له هذا الارتباك وضعف ثقته بنفسه، فإن كان صاحب التفكير القابل للنمو فإن سيستعيد ثقته بنفسه قريباً، المهم لا ينحسب، أما صاحب التفكير الثابت فإنه سيختار الاستقالة إلا إن سانده أحد، فالأمور عنده إما أن تسير على ما يرام أو تكون سيئة لأبعد حد، وهذا ما يستلزم التخلي عن فكرة التقدم.

في كلا الحالتين لابد أن يتهيأ العشريني نفسياً وذهنياً لاستقبال السلبيات التي سيراها، حتى لو لم يتوقعها فعليه أن لا يقف عندها كثيراً، يأخذ منها دهشته أول الأمر منها ثم يمضي لما يريد تحقيقه ويستمر واثقاً بنفسه وأنه يؤدي عمله وسيؤديه، فما هو في هذا المكان إلا لأجله.

إن العمل الناجح الذي يمنحك الثقة هو ما كان فيه نوع من الصعوبة ويتطلب جهداً إضافياً منك، ولا تستعين فيه بغيرك، وليس ما أتقنته!

هل تعلم أنه ولإتقان أي عمل عليك قضاء 10.000 ساعة في التدرب عليه؟

وهذا ما يريده العشريني لنفسه بين يومٍ وليله! أن يستمر بالعمل لعشرة آلاف ساعة متواصلة أي ما يعامل أربعئة يوم دون كلل ولا ملل ولا نوم ولا إرهاق أو عشر سنوات يعيشها طبيعياً، يعلم خلالها أنه سيصل هدفه منها يوماً ما.

الفصل الثاني عشر: بين الاستمرار والتقدم

العقد الثاني من العمر، خلاف ما يصوّره الإعلام، هو عمر التغيير، حيث تُشير الأبحاث في علم الأعصاب أنها وفترة الطفولة هي ما يمكنك خلالها بناء الشخصية، بسلبياتها وإيجابيتها، واكتساب العادات وتغيير أخرى، ووجدت الأبحاث في علم النفس أنها الفترة التي تؤثر على ما بعدها من العقود: الثلاثينيات والأربعينيات وما بعدهما.

تتميز هذه الفترة بأنك في حالة مستمرة من مواجهة كل ما يستجد عليك كراشد فتتعلم منها، وتختار الالتزام بمسؤوليات الراشدين كالعمل ودفع الفواتير والاستقرار في السكن والتوسع في العلاقات الاجتماعية، وتمتين بعضها الآخر، حتى الزواج والأطفال.

فأنت مستمر في ممارسة هذه الأنشطة نفسها من جهة، وتتقدم في حياتك باكتسابك المهارات والعادات من جهة أخرى.

هذا يعني أنه يمكنك التغيير للأفضل، تغيير شخصيتك وسلوكك ورؤيتك، لتكون ما تريد أن تكون عليه في الثلاثينيات.

الفصل الثالث عشر: الآنية وإدراك الزمن

يعيش بعض الشباب العشريني خارج الزمن. لا يستوعب كيف تجري الأيام وتمضي السنون حتى يجد نفسه في الثلاثين من يعمره ليحاول لاهثاً تحقيق كل ما يصبو إليه.

وحتى لو حاول التخطيط، فلا يتصوّر غالباً المدى الزمني الذي يفصل بين حاضره، اللحظة التي يفكر فيها بالهدف المنشود، وبين الفترة التي سيتحقق فيها هدفه.

فقدان الشعور بالزمن مرتبط يقصور التصور عن المستقبل والعوامل الحيوية والعمليات العصبية التي تجري في جسد العشريني، فيتصور أن صحته الكاملة في عمر الثالثة والعشرين أو الخامسة والعشرين ستكون هي نفسها عندما يبلغ الثلاثين، ويتصور أنه هو هو لن يتغير، ولن تغيره الحياة، فلم العجلة وقد وُضعت الأهداف؟

فأقول ما فائدة الأهداف أصلاً إذا لم تكن مرتبة ومرتبطة بالعمر وكان الاستعداد لها مبكراً خلال العشرينيات؟

كان لدي عميلة تريد دراسة الماجستير في عمر الثلاثين، والزواج في عمر الثلاثين، وإنجاب الأطفال في عمر الثلاثين أيضاً!

كانت في السادسة والعشرين من عمرها، تقضي وقتها بين العمل في المقهى والنوم في شقتها.

فلما رسمنا معاً الخط الزمني الفاصل والأهداف التي راكمتها وأجلتها حتى سن الثلاثين، أُصيبت بالهلع! ستستمر في فراغ من كل شيء على مدى أربع سنوات ثم فجأة تتخذ قرارات كُبرى، كل قرار يحتاج للعمل والجهد والصحة الجسدية والنفسية المتكاملة!

أعددنا معاً الخطة الزمنية لتحقيق أهدافها، رتبناها بحسب الأولوية وبحسب غايتها من كل هدف. فهي تريد أن تدرس الماجستير، ثم تتزوج فتنجنب لتتفرغ بعدها لرعاية أطفالها.

ليس هناك صواب أو خطأ في هذا الترتيب أو ما يختلف عنه، هي أولويات يرتبها العشريني بحسب غايته، المهم أن يجلس مع نفسه الجلسة الجادة ويكوّن التصور الصحيح لأهدافه ويقيسها بالخط الزمني ويدأ في تحقيقها.

الخاتمة

من المهم أن يعي كل شاب وفتاة أن العقد الثاني من العمر هو وقت الحرث، وقت البذر، وقت التغيير وتأسيس الحياة المستقرة والمتماسكة التي تريد حتى تبلغ الستين والسبعين وحتى التسعين من عمرك.

صحح خلالها ما هو خطأ، وتعلم ما هو صواب، وابحث عن ما هو الأفضل. تفهم مرحلتك العمرية، وتقلباتها وصلتها بتكوينك النفسي والعصبي وكُن صبوراً، فلا شيء يحصل في غمضة عين، وستقترب شيئاً فشيئاً مما تريده.

 

 

الفعاليات
أبريل 2017
د ن ث ع خ ج س
 
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30